اقتصاد

دمشق والقاهرة… هل يفتح الاقتصاد أبواب السياسة المغلقة؟

77
دمشق والقاهرة… هل يفتح الاقتصاد أبواب السياسة المغلقة؟

تشهد العلاقات السورية–المصرية في الأسابيع الأخيرة تحسناً لافتًا، أعاد وضعها في صدارة المشهد العربي، بعد فترة من الجمود السياسي والتواصل المحدود.


ونشطت العلاقات مؤخراً بعد لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، مع وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق، في 12 كانون الثاني /يناير الجاري، في خطوة عكست توجهاً سورياً واضحاً نحو إعادة وصل ما انقطع عربياً عبر البوابة الاقتصادية.


وخلال اللقاء، أكد الرئيس الشرع أن الشركات المصرية يجب أن تكون من أوائل الجهات الحاضرة في الفرص الاستثمارية داخل سوريا، ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار، مشيراً إلى تطابق كبير في المصالح الاستراتيجية بين دمشق والقاهرة، يستدعي اعتماداً متبادلاً في معالجة الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية.


وحدد الرئيس الشرع أولويات سوريا في المرحلة المقبلة، وعلى رأسها مشاريع الطاقة، والتنقيب عن الغاز في السواحل المتوسطية، وإصلاح القطاعات النفطية، وتطوير السكك الحديدية، وربط الإمدادات عبر الأراضي السورية باتجاه أوروبا والصين، معتبراً أن هذه المشاريع تتطلب شراكات استراتيجية مع شركات إقليمية ودولية، للاستفادة من الخبرات القائمة “دون إعادة اختراع العجلة”.


بالتوازي مع ذلك، وقعت وزارة الطاقة السورية في 5 من كانون الثاني/يناير، مذكرتي تفاهم مع وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية في القاهرة، الأولى لتوريد الغاز الطبيعي بهدف دعم إنتاج الكهرباء في سوريا، والثانية للتعاون في مجال المشتقات النفطية بما يلبي احتياجات قطاع الطاقة، في مؤشر عملي على انتقال العلاقات من مستوى التصريحات إلى خطوات تنفيذية.


في هذا السياق، يقدم الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، في حديثه لموقع "سيريا ون" قراءة تحليلية لطبيعة هذا التقارب وحدوده، وانعكاساته السياسية والإقليمية.


مقاربة مصرية "حذرة"


يرى الباحث باسل كويفي أن العلاقات السورية–المصرية تنحصر في المرحلة الراهنة بالجانب الاقتصادي أكثر من السياسي، في ظل جمود سياسي قائم بين دمشق والقاهرة، مشيراً إلى أن اتفاقيات خط الغاز وزيارة وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية إلى دمشق ولقاءه الرئيس السوري أحمد الشرع، تعكس مقاربة مصرية جديدة تقوم على إعادة تعريف دور القاهرة في الملف السوري ولكن بحذر.

واعتبر كويفي أن هذا المسار الاقتصادي يشكل "خيطاً محورياً" يمكن أن يخترق حالة الجمود السياسي، ويساهم في تفكيك العقدة السياسية تدريجياً، خاصة في ظل مرونة دبلوماسية سورية ملحوظة في التعاطي مع الخلافات الإقليمية والدولية.


وبحسب تقديره، فإن التقارب الاقتصادي يمكن أن يكون مدخلاً عملياً يخلق “أرضية صلبة” تفتح المجال أمام تفاهمات سياسية لاحقة، ولا سيما في العلاقات المتوترة.


إعادة التموضع الإقليمي


من منظور الاقتصاد السياسي، أوضح كويفي أن مصلحة مصر في استخدام أدواتها الاقتصادية اليوم ترتبط بتعزيز دورها كـ"دولة محورية" في المنطقة، إلى جانب البحث عن فرص اقتصادية مرتبطة بإعادة الإعمار السوري في المستقبل.


وفي المقابل، لفت إلى أن هذا التقارب يعزز فرص الحكومة السورية في الحصول على دعم مصري داخل المنظمات المالية الدولية، ويقوي تمثيلها الدبلوماسي في القاهرة وجامعة الدول العربية والمؤسسات التابعة لها.


ووصف كويفي هذا النمط من العلاقة بأنه تواصل "غير صدامي"، يسمح للطرفين بالمناورة السياسية والاقتصادية ضمن بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب، بما ينعكس إيجاباً على الأمن والاستقرار والسلام الدولي.


شراكة متوازنة أم مصالح محكومة بسقف سياسي؟


يذهب الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، إلى أن مكاسب هذا التقارب تميل في الوقت الراهن نسبياً لصالح الجانب المصري. فالقاهرة، بحسب رأيه، تسعى إلى تعزيز عمقها الاستراتيجي في شرق المتوسط، والحصول على فرص استثمارية لشركات الإنشاءات المصرية في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب تعزيز أمنها القومي عبر استقرار سوريا، ولعب دور وساطة يرفع من مكانتها الإقليمية.


في المقابل، ترى دمشق في مصر منفذاً اقتصادياً وعربياً حيوياً، وفرصة للاستفادة من التجربة المصرية في تأهيل المؤسسات الحكومية، ودمج وبيع القطاع العام، وتحفيز القطاع الخاص، فضلاً عن تعزيز الحضور السوري داخل المنظومة العربية والإفريقية الرسمية.


وبحسب كويفي، فإن هذه الشراكة لا تزال محكومة بسقف سياسي معيّن، لكنها تحمل عناصر توازن إذا ما استمرت ضمن إطار المصالح المتبادلة.


علاقة عربية "براغماتية"


يرى كويفي أن العلاقات السورية–المصرية قد تشكل نموذجاً لعلاقات عربية “براغماتية” تعطي الأولوية للمصلحة الاقتصادية المشتركة لتعبر فوق الخلافات السياسية، خاصة في قطاعات الزراعة، والصناعة، والنسيج، والمعادن، والإنشاءات، والبنوك، إضافة إلى المقايضة والمقاصة بالعملات المحلية.


وأشار إلى أن خط الربط الكهربائي المصري–السوري–اللبناني–الأردني يمكن أن يكون نواة لشبكة طاقة عربية متكاملة، وهو مشروع استراتيجي قديم، كما يمكن أن تمتد التفاهمات إلى مجالات التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط، ولا سيما في البلوكات البحرية السورية، مستفيدة من الخبرة المصرية في هذا المجال.


وفي المقابل، أكد كويفي أن تعميم هذا النموذج لا يزال يصطدم بعوائق جيوسياسية ناتجة عن التوترات الإقليمية، وملفات إيران وإسرائيل وتدخلاتهما.


ولخص كويفي إلى أن المسار الاقتصادي مرشح للاستمرار والتعمق، إلا أن التحول السياسي الكبير سيبقى مرتبطاً بتسوية إقليمية–دولية أوسع، معتبراً أن مصر تفتح اليوم بابًا لدمشق لإعادة رسم تحالفاتها الإقليمية عبر حوامل اقتصادية قد تفضي مستقبلاً إلى مشروع إعادة إعمار سياسي.


مقالات ذات صلة

قوات أمريكية في دير حافر شمال سوريا.. هل توقف التصعيد بين دمشق وقسد؟

قوات أمريكية في دير حافر شمال سوريا.. هل توقف التصعيد بين دمشق وقسد؟

في تطور مثير للجدل على الساحة السورية، أصبحت بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي محور توتر متصاعد بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية
44
انهيار منزل في دوما

ضحايا من عائلة واحدة إثر انهيار منزل في دوما بريف دمشق

توفي عدة أشخاص وأصيب آخرون إثر انهيار منزل في مدينة دوما بريف دمشق.
40
الأونصة الفضة في سوريا

إقبال على شراء الأونصة الفضة في سوريا.. كم بلغ سعرها؟

تزامناً مع ارتفاع سعر الفضة عالمياً مقارنة بما كان عليه سابقاً، يٌقبل الأهالي في سوريا على شراء الأونصة الفضة بشكل لافت مؤخراً، وسط توقعات بأن يكون له نصيب من الارتفاعات خلال 2026.
405
أسعار الذهب والدولار في سوريا

أسعار الذهب والدولار في سوريا 16 يناير 2026

شهدت أسعار الذهب في سوريا اليوم الجمعة 16 يناير 2026 حالة من الاستقرار النسبي، بالتزامن مع استقرار سعر الأونصة بالدولار
266
إنقاذ شاب سقط في بئر

إنقاذ شاب سقط في بئر مياه بريف دمشق

تمكنت فرق الدفاع المدني السوري وبالتعاون مع الأهالي والفعاليات، من إنقاذ شاب سقط في بئر مياه بريف دمشق.
64
سيرياون إعلان 7