سياسي

سوريا عقدة جيوسياسية كبرى.. كيف تساهم تجارة الترانزيت في دعم الاقتصاد الوطني؟

13
سوريا عقدة جيوسياسية كبرى.. كيف تساهم تجارة الترانزيت في دعم الاقتصاد الوطني؟

موقع استراتيجي، شبكة طرق ومعابر حيوية، ونظام ترانزيت عالمي، فسوريا تعيد رسم خريطة التجارة الإقليمية والدولية، لتكون من جديد بوابة رئيسية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتحوّل موقعها الجغرافي إلى رافعة اقتصادية حقيقية.


تمتلك سوريا نحو 12 معبراً برياً رئيسياً مع دول الجوار، ما يجعلها نقطة عبور حيوية للتجارة الإقليمية، فمع تركيا، تعد المعابر مثل باب الهوى، وباب السلامة، وجرابلس، من أهم النقاط اللوجستية لنقل البضائع.


أما بالنسبة للبنان، فيوجد معبر جديدة يابوس-المصنع الأهم، بينما يشكل معبر نصيب-جابر مع الأردن أحد أكثر المعابر حيوية في الشرق الأوسط، ويحقق إيرادات شهرية إذا استثمر وفق المطلوب تُقدّر بنحو 100 مليون دولار، الأمر الذي يضع سوريا في موقع اقتصادي استراتيجي لا يمكن تجاهله.


هذه المعابر لا تمثل مجرد منافذ حدودية، بل شرايين حيوية تربط الأسواق المحلية بالإقليمية، كما تسمح بدخول الصادرات اللبنانية والعراقية والخليجية إلى تركيا وأوروبا والعكس، مما يجعل سوريا لاعباً رئيسياً في سلسلة التجارة البرية العابرة للحدود.


موقع جغرافي استراتيجي… عقدة نقل بين القارات



يمثل الموقع الجغرافي لسوريا أحد أهم مقومات قوتها الاقتصادية والجيوسياسية، فهي تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط، وتعد نقطة وصل بين تركيا كبوابة لأوروبا وروسيا، ودول الخليج العربي ومنها إلى آسيا، كما أن امتداد ساحلها على طول البحر الأبيض المتوسط يمنحها منفذاً مباشراً للأسواق الأوروبية والإفريقية، ما يجعلها جسراً طبيعياً يربط بين ثلاث قارات.


الميزة الجغرافية لسوريا تجعلها قريبة نسبياً من الأسواق الكبرى في أوروبا وآسيا، كما أن وجود الموانئ على البحر المتوسط، مثل ميناء اللاذقية، يوفر منفذاً حيوياً للتجارة الدولية، ويتيح للعراق الوصول بسهولة إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي السورية، كل هذا يعزز من دور سوريا كحلقة وصل رئيسية بين الإنتاج المحلي والأسواق الدولية، ويسهم في تحريك التجارة الإقليمية بشكل مستمر.


شبكة النقل البرية M5 وM4 شرايين الاقتصاد


تلعب شبكة الطرق في سوريا دوراً محورياً في دعم الترانزيت التجاري، يُعتبر الطريق الدولي M5، الذي يبلغ طوله نحو 450 كيلومتراً، واحداً من أهم الطرق الرئيسية، حيث يربط معبر نصيب على الحدود الأردنية بمعبر باب السلامة على الحدود التركية، مروراً بالمدن الكبيرة مثل درعا، دمشق، حمص، حماة، وحلب، هذا الطريق لا يربط فقط المدن الصناعية والتجارية، بل يشكل شرياناً استراتيجياً لربط سوريا بدول الجوار.


يتقاطع طريق M5 مع الطريق الدولي M4 عند مدينة سراقب، ويستمر M4 من معبر اليعربية على الحدود العراقية حتى اللاذقية على الساحل السوري، مروراً بالمناطق الشمالية والغربية، ويعد هذا الطريق خط الإمداد الرئيسي لنقل البضائع والمنتجات بين المناطق الصناعية مثل حلب وحماة وحمص، والمناطق المنتجة للمواد الأولية في شمال شرق وشرق سوريا، كما يربط M4 بين الموانئ البحرية والمناطق الداخلية، ما يعزز من كفاءة النقل ويقلل الكلفة اللوجستية للتجارة البرية.


رسوم الترانزيت.. خطوة لتطوير الاقتصاد الوطني


في 27 آذار 2025، أصدرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية قراراً تحديدياً بشأن رسوم الترانزيت على الشاحنات السورية والعربية والأجنبية، بهدف تعزيز العائدات المالية وتحقيق استدامة حركة التجارة عبر الأراضي السورية، هذه الرسوم تمثلت بـ 2% للشاحنات العابرة لمقصد خارجي أو الداخلة والخارجة من المناطق الحرة، و 0.5% للشاحنات المنطلقة من وإلى المرافئ السورية، سواء بمقصد داخلي أو خارجي.


وتأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز دور سوريا كحلقة محورية في شبكة النقل الإقليمي، وتحقيق إيرادات مالية مباشرة تدعم الخزينة العامة، وتحفّز نشاط قطاع النقل والشحن الدولي.


سوريا ونظام النقل الدولي "التير" - "TIR"


انضمت سوريا منذ عام 2000 إلى نظام النقل الدولي للبضائع "TIR"، التابع للاتحاد الدولي للنقل البري (IRU)، وهو نظام عبور وضمان دولي يسهل شحن البضائع من بلد المنشأ عبر بلدان العبور إلى بلد المقصد بأمان وكفاءة.


وفي خطوة استراتيجية حديثة، بدأ الاتحاد الدولي للنقل البري تسيير أول حركة نقل عبور عبر نظام “TIR” مروراً بالعراق، وصولاً إلى الكويت وقطر، وشملت الشحنات حيوانات حية، ما يعكس قدرة سوريا على تنفيذ عمليات النقل المعقدة ضمن إطار نظام دولي متكامل.


وقد وصف الاتحاد هذه الخطوة بأنها نقطة تحول مهمة للتكامل الاقتصادي الإقليمي، مؤكداً أن النظام يمثل وسيلة موثوقة لدعم موقع سوريا الاستراتيجي كجسر وصل بين المشرق العربي ودول الخليج، ويعزز من مكانتها في حركة التجارة الدولية.


الشحن الدولي وأهمية النقل في إعادة الإعمار


يؤكد صالح كيشور، رئيس الاتحاد السوري لشركات شحن البضائع الدولي لوسائل إعلام محلية، أن النقل الدولي ليس مجرد وسيلة لنقل البضائع، بل يمثل حلقة استراتيجية تربط الإنتاج بالأسواق المحلية والعالمية، كما أن تطوير قطاع الشحن الدولي يعزز مرونة الاقتصاد السوري ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى أن الاستثمار في شبكة لوجستية متكاملة يسمح بتحويل الموارد الطبيعية إلى فرص تنموية، ودعم الصناعات والزراعة، وضمان وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية بأعلى معايير الجودة والكفاءة.


ويشير كيشور إلى أن تطوير النقل والشحن الدولي يضمن كفاءة سلاسل القيمة، ويزيد العائد الاقتصادي، ويحفّز القطاعات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والتخزين والتأمين، ما يعزز من القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق الإقليمية والدولية.


العائد الاقتصادي قبل 2011


قبل عام 2011، كانت نحو 300 شاحنة يومياً تعبر باب الهوى من تركيا إلى سوريا، وهو ما شكّل عائداً اقتصادياً ملموساً للخزينة العامة، عبر رسوم الترانزيت ذهاباً وإياباً، مع دعم حركة التجارة بين الأردن والخليج وتركيا وما بعدها.


هذه الحركة كانت تشكل جزءاً أساسياً من التجارة الإقليمية، وأثبتت أهمية سوريا كعقدة جيوسياسية واستراتيجية في شبكات النقل الإقليمية، وبعد تحرير الجزيرة السورية، وعودة الموارد الطبيعية من نفط وغاز وقطن وقمح، أصبح قطاع النقل الدولي محورياً في إعادة الإعمار الاقتصادي.


فالطرق والمعابر توفر منصة للشحن التجاري، وتضمن استمرار حركة البضائع بين المدن والموانئ، وربط سوريا بالدول المجاورة والأسواق العالمية.


ويبرز دور المبادرات الدولية، مثل مشروع طريق الحرير الصيني ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، الذي يمر بالأراضي السورية، ليوفر ممرات برية وبحرية فعالة للشحن التجاري، ويجعل سوريا جزءاً من شبكة دولية تربط الصين بالعالم بطريقة سريعة وآمنة.


سوريا اليوم ليست مجرد دولة جغرافياً، بل بوابة استراتيجية للتجارة الإقليمية والدولية، فمعابرها البرية وشبكات الطرق، بالإضافة إلى نظام الترانزيت الدولي "التير" تجعلها لاعباً محورياً في حركة التجارة بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.


الرسوم الجديدة وخطوات تطوير البنية التحتية تعزز من دورها الاقتصادي وتخلق فرصاً تنموية واستثمارية هامة، خاصة شبكة الطرق M5 وM4 والموانئ البحرية التي تمنح سوريا ميزة تنافسية فريدة، تجعلها قادرة على استقطاب حركة البضائع العابرة وإعادة ربط الأسواق الإقليمية.


في ضوء هذه العوامل، يمكن القول إن استقرار سوريا واستثمار معابرها الدولية هو أمر ضروري لتحقيق التكامل الإقليمي وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحويل موقعها الجغرافي إلى رافعة للنمو والتجارة الإقليمية والدولية.


مقالات ذات صلة

سوريا تعيد حضورها الدبلوماسي في ألمانيا بافتتاح قنصلية بون

سوريا تعيد حضورها الدبلوماسي في ألمانيا بافتتاح قنصلية بون

افتتحت الجمهورية العربية السورية قنصليتها العامة في مدينة بون الألمانية، في خطوة دبلوماسية جديدة تعكس توجهاً رسمياً نحو توسيع التمثيل الخارجي وخدمة الجاليات السوريّة في أوروبا
4
الغاديان تعلق على سوء إدارة ترامب للأزمات .. وتسلط الضوء على منشوره العنصري عن أوباما

الغارديان تعلق على سوء إدارة ترامب للأزمات .. وتسلط الضوء على منشوره العنصري عن أوباما

في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، سلط الكاتب جيمل سميث الضوء على سوء "إدارة ترامب لأزمات
19
بعد بيانات الوظائف الأمريكية.. تراجع أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا

بعد بيانات الوظائف الأمريكية.. تراجع أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا

تراجعت أسعار الذهب في سوريا مع ارتفاع الدولار عالميا بعد بيانات الوظائف الأمريكية
27
سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط.. وتتحرك لاستعادة مكانتها كلاعب إقليمي

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط.. وتتحرك لاستعادة مكانتها كلاعب إقليمي

تفتح سوريا أبواب الطاقة لعمالقة الاقتصاد العالمي، وتتحرك بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها كلاعب طاقة إقليمي
28
شبكة تزوير اختبارات اللغة ألمانيا

"جنت مبالغ طائلة من طالبي الإقامة".. تفكيك شبكة تزوير اختبارات اللغة والتجنيس في ألمانيا

تمكنت الشرطة في ألمانيا من تفكيك شبكة احتيال واسعة النطاق، متخصصة في تزوير اختبارات اللغة الألمانية والتجنيس.
37
سيرياون إعلان 7