سياسي

سوريا في قلب الناتو.. من فك العزلة إلى إعادة التموضع.. ماهي المقايضات الاستراتيجية؟

22
سوريا في قلب الناتو.. من فك العزلة إلى إعادة التموضع.. ماهي المقايضات الاستراتيجية؟

عقد الرئيس السوري أحمد الشرع لقاءً ثنائياً هاماً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو الـ36 في أنقرة، وتزامن الاجتماع مع قرار ترامب التاريخي بإبلاغ الكونغرس شطب سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع القيود الاقتصادية عنها.


الرئيس ترامب أشاد بجهود الرئيس الشرع خلال مؤتمر صحفي وجلسة مشتركة مع أردوغان، صرّح فيها بأن الشرع "أنجز عملاً مذهلاً وتمكّن من توحيد البلد بأكمله" كما اجتمع الرئيس السوري بوفد من أعضاء الكونغرس الأمريكي والمبعوث الرئاسي الخاص لسوريا والعراق، توماس باراك، لبحث آفاق التعاون المشترك والتعافي الاقتصادي. 


كما تضمن نشاط الرئيس الشرع اللقاء بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في المجمع الرئاسي؛ لبحث ملفات الأمن الحدودي المشترك والتبادل التجاري، كما أجرى محادثات قصيرة ثلاثية الأطراف جمعته بالرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي. 


اللقاءات نوقشت فيها ملفات إقليمية وأمنية طرحتها سوريا بالقمة منها مكافحة الإرهاب والمخدرات من حيث مناقشة آليات ضبط الحدود الإقليمية ومنع عمليات التهريب إضافة إلى ملف سلاح الميليشيات والأمن الإقليمي وضمان أمن البحر المتوسط ومتطلبات الاستقرار في لبنان والعراق إلى جانب ملفات اقتصادية حول جذب وتسهيل الاستثمارات الدولية المباشرة للمساهمة في إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة.


التحولات الكبرى في السياسة الدولية ليست نتاج المصادفات، ولا تُمنح الدول اعترافاً مجانياً خارج حسابات القوة والمصلحة، فكل اختراق دبلوماسي يعيد ترتيب العلاقة بين دولة معزولة والمنظومة الدولية يحمل في جوهره صفقة سياسية، حتى وإن لم تُعلن بنودها كاملة. 


العلاقات الدولية لا توجد فيها مكافآت مجانية، بل مقايضات استراتيجية تتجاوز البيانات الرسمية والخطابات الدبلوماسية، وعندما تقرر قوة كبرى تغيير موقفها من دولة كانت تخضع لعقوبات وعزلة سياسية، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما حصلت عليه تلك الدولة، بل بما التزمت بتقديمه في المقابل.


ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحول السوري بوصفه عملية إعادة تموضع جيوسياسي أكثر من كونه مجرد انفراج دبلوماسي، فالقضية لا تتعلق برفع عقوبات أو استعادة علاقات، وإنما بإعادة تعريف موقع سوريا داخل توازنات الشرق الأوسط في مرحلة تتغير فيها أولويات القوى الدولية والإقليمية.


المؤشر الأول يتمثل في إعادة صياغة العلاقة مع إيران، فمنذ عام 2011 أصبحت سوريا الحلقة الأكثر أهمية في شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من طهران إلى البحر المتوسط، ولذلك فإن أي انفتاح غربي على دمشق سيكون مشروطاً عملياً بتقليص هذا النفوذ أو إعادة ضبطه بما يحد من تأثيره العسكري والأمني.


بالنسبة لواشنطن وشركائها، لا يمثل هذا الملف مطلباً سورياً داخلياً، بل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، ولا سيما ما يتعلق بخطوط الإمداد إلى حزب الله والتوازن العسكري مع إسرائيل.


أما المحور الثاني فيرتبط بالتحول الأمني، فالغرب لا يبحث عن حليف عسكري جديد بقدر ما يسعى إلى شريك أمني قادر على منع تحول الأراضي السورية مجدداً إلى منصة للتنظيمات العابرة للحدود، ولذلك فإن مكافحة بقايا تنظيم داعش، وتعزيز أمن الحدود، وملاحقة شبكات تهريب المخدرات، تمثل عناصر رئيسية في أي تفاهم طويل الأمد مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ومن هذه الزاوية يصبح الأمن، وليس السياسة، المدخل الأساسي لإعادة دمج سوريا في البيئة الدولية.


وفي المقابل، تبدو تركيا المستفيد الإقليمي الأكثر مباشرة من هذا التحول، فأنقرة تنظر إلى الملف السوري من زاوية أمنها القومي قبل أي اعتبار آخر، ولذلك فإن أي تفاهم سياسي واسع لن يكون مستقراً ما لم يتضمن ترتيبات تخص شمال سوريا، ومستقبل القوات الكردية، وآليات ضبط الحدود، وتهيئة الظروف لعودة أعداد من اللاجئين، وهذه الملفات لا تمثل قضايا إنسانية فقط، بل تشكل ركائز في الحسابات الانتخابية والاقتصادية والأمنية للدولة التركية.


الملف الروسي يمثل بدوره أحد أكثر عناصر التحول حساسية، فمنذ التدخل العسكري الروسي عام 2015 أصبحت سوريا المنفذ الأكثر أهمية لموسكو على شرق المتوسط، وإذا كانت إعادة التموضع السوري تتجه بالفعل نحو الغرب، فإن ذلك سيضع مستقبل الوجود الروسي أمام معادلة جديدة، سواء عبر تقليص حضوره العسكري أو إعادة التفاوض بشأن امتيازاته الاقتصادية والاستراتيجية، ولن يكون هذا التغيير مجرد تطور سوري داخلي، بل جزءاً من المنافسة الأوسع بين روسيا والغرب على مناطق النفوذ، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الأوكرانية.


اقتصادياً، لا يمكن فصل أي انفتاح سياسي عن ملف إعادة الإعمار، فالشركات الغربية والخليجية لن تدخل السوق السورية دون بيئة سياسية وأمنية مختلفة، كما أن المؤسسات المالية الدولية لن تقدم دعماً واسعاً ما لم تتوافر ضمانات تتعلق بالاستقرار والحوكمة والشفافية، ولذلك فإن إعادة الإعمار ليست نتيجة للانفتاح، بل أحد أدوات تثبيته وربطه بمسار سياسي طويل الأمد. 


مع ذلك، فإن التحول المحتمل لا يعني بالضرورة انتقال سوريا إلى معسكر مقابل بصورة كاملة، فالتجارب الدولية تشير إلى أن الدول الخارجة من النزاعات تحاول غالباً تنويع علاقاتها الخارجية بدلاً من الارتهان لمحور واحد. ومن ثم، فإن نجاح دمشق في إدارة هذه المرحلة سيعتمد على قدرتها في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الشركاء الجدد وعدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى التي شكّلت حلفاءها خلال السنوات الماضية.


ويبقى التحدي الأكبر داخلياً وليس خارجياً فالاعتراف الدولي يمكن أن يخفف العزلة، لكنه لا يعالج تلقائياً آثار سنوات الحرب، ولا يعيد بناء المؤسسات، ولا يحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، كما أن أي تفاهمات خارجية ستظل عرضة للاهتزاز إذا لم تُترجم إلى استقرار سياسي وإداري داخل البلاد.


مقالات ذات صلة

فيدان وعراقجي يبحثان التطورات في المنطقة ووضع وقف إطلاق النار

فيدان وعراقجي يبحثان التطورات في المنطقة ووضع وقف إطلاق النار

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي اليوم الخميس، آخر التطورات في المنطقة ووضع وقف إطلاق النار
4
إيران: الهجمات الأمريكية تعرقل إعادة فتح مضيق هرمز

إيران: الهجمات الأمريكية تعرقل إعادة فتح مضيق هرمز

قالت البحرية التابعة للحرس الثوري ​الإيراني في بيان اليوم ‌الخميس إن الهجمات الأمريكية على إيران وتدخلها ​في تغيير مسار ​الملاحة بمضيق هرمز يعرقلان ⁠إعادة فتح هذا الممر ​المائي الاستراتيجي تدريجيا
21
ثلث أطفال سوريا يعانون التقزم الغذائي.. اختصاصية تغذية لـ Syria One: الفقر وقلة تنوع الغذاء من الأسباب الرئيسية

ثلث أطفال سوريا يعانون التقزم الغذائي.. اختصاصية تغذية لـ Syria One: الفقر وقلة تنوع الغذاء من الأسباب الرئيسية

في سوريا اليوم، قد تجد طفلاً في السابعة من عمره لكن جسده يبدو وكأنه في الرابعة، هذا ليس مجرد قصر قامة طبيعي، بل إنه "القزامة الغذائية"، فهو مرضٌ خفي لا يُسمع ناقوس خطره إلا في عيادات قياس الطول والوزن، يهاجم بصمت طفولة سوريا
33
قطر تبلغ إيران بضرورة التزام جميع الأطراف بالدبلوماسية بعد التصعيد مع أمريكا

قطر تبلغ إيران بضرورة التزام جميع الأطراف بالدبلوماسية بعد التصعيد مع أمريكا

أكد رئيس الوزراء القطري الشيخ ​محمد بن عبد الرحمن ‌آل ثاني في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإيراني ​عباس عراقجي اليوم ​الخميس ضرورة التزام إيران والولايات ⁠المتحدة بالحوار والدبلوماسية
30
الطقس في سوريا.. أجواء صيفية معتدلة وارتفاع نسبي للحرارة يوم السبت

الطقس في سوريا.. أجواء صيفية معتدلة وارتفاع نسبي للحرارة يوم السبت

تشهد سوريا، الخميس 9 تموز، أجواء صيفية معتدلة على أن يطرأ ارتفاع على درجات الحرارة بدءاً من يوم السبت ليتحول الطقس إلى حار نسبياً مع مطلع الأسبوع القادم وفقاً لتوقعات المركز الوطني للأرصاد الجوية
54
سيرياون إعلان 7