تشهد الأسواق السورية تصاعداً مستمراً في معدلات الغلاء وارتفاعاً قياسياً في أسعار السلع والخدمات الأساسية، الأمر الذي ألقى بظلاله مباشرة على المعيشة اليومية للمواطنين والقدرة الشرائية للأسر.
وفي إطار رصد هذه الأزمة وتحليل أبعادها، يقدّم الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي، لـ Syria One قراءة شاملة تستعرض محركات هذا الغلاء، وتداعياته على الاستقرار الاجتماعي، إلى جانب طرح مجموعة من الرؤى والحلول المقترحة للتعامل مع هذا التحدي الاقتصادي
أرقام رسمية وواقع معيشي خانق
يقول كويفي إنه رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السابق في ديسمبر / كانون الأول من عام 2024، لا يزال المواطن السوري يواكب أزمة معيشية حادة تفرض ثقلها على تفاصيل الحياة اليومية، ويلفت كويفي الانتباه إلى أنه على الرغم من بروز بعض مؤشرات الاستقرار الاقتصادي الظاهرية، والتي تمثلت في انخفاض معدل التضخم السنوي وفقاً للتصريحات الرسمية السابقة إلى نحو 11.5% خلال عام 2025، إلا أن الباحث يبدي شكوكاً صريحة في دقة هذه الأرقام، مؤكداً أنها لا تعكس الواقع الفعلي للأسواق، خصوصاً أن سعر صرف الليرة السورية شهد تحسناً نسبياً في تلك الفترة قبل أن يعود للتراجع مجدداً ويستقر عند مستوياته السابقة، لتبقى الأسعار مرتفعة بشكل خانق وتواصل التهام أي قدرة شرائية متبقية للغالبية العظمى من المواطنين.
تراكمات تاريخية وصدمات سياسية
وفي تفكيكه للمشهد، يوضح كويفي أن تفسير موجة الغلاء الحالية لا يمكن اختزاله في سبب واحد، بل هو نتاج مزيج معقد يجمع بين عوامل هيكلية طويلة الأمد وصدمات فورية ناجمة عن قرارات آنية، حيث يشير كويفي إلى أن التراكمات التاريخية تتمثل في الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والطاقة على مدار حرب استنزاف تجاوزت أربعة عشر عاماً، ناهيك عن انهيار الاحتياطات النقدية وسيادة اقتصاد الحرب الريعي، والاعتماد شبه الكامل على استيراد السلع الأساسية.
بالتوازي مع هذا الإرث الثقيل، يؤكد الباحث أن الصدمات الأخيرة جاءت من داخل أروقة الحكومة الانتقالية نفسها عبر انتهاج سياسة التحرير السريع والاندفاعي لأسعار المواد الأساسية كالخامات والوقود والكهرباء والغاز المنزلي، ويوضح كويفي أن هذا التوجه تُرجم قفزات سعرية غير مسبوقة، حيث ارتفع سعر ربطة الخبز إلى أربعة آلاف ليرة مع انخفاض واضح في وزنها وعدد الأرغفة، وتجاوز سعر أسطوانة الغاز المنزلي حاجز المئة وثلاثين ألف ليرة، وتضاعفت تعرفة الكهرباء بنسب هائلة، مما أدى فوراً إلى رفع تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات في مختلف القطاعات.
ولم تتوقف هذه الضغوط عند حدود المستهلك حسب رؤية كويفي، بل امتدت لتطال القطاع الزراعي في المناطق الشرقية المنتجة للقمح، حيث حددت وزارة الاقتصاد سعر الطن بثلاثمائة دولار، ورغم صدور مرسوم رئاسي لاحقاً يرفع السعر إلى أربعمائة دولار بعد إضافة حافز مالي، إلا أن الباحث يشير إلى أن هذا الإجراء لم يمنع اندلاع احتجاجات واسعة في شهر مايو/آيار الماضي من قِبل المزارعين الذين أكدوا أن السعر المطروح لا يغطي تكاليف الإنتاج الفعلية، لا سيما في ظل مواسم الجفاف السابقة وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج ما يعني، وفقاً لتحليل كويفي، أن السياسات التي استهدفت تحقيق فائض مالي في الموازنة العامة قد نُقلت أعباؤها مباشرة إلى كاهل المواطنين والمنتجين.
حدود التحمل ومؤشرات الانهيار
ويشير كويفي إلى الأرقام الصادمة التي تعكس عمق الأزمة المعيشية الحالية، حيث يذكر أن التقديرات المتعددة تشير إلى أن سلة الإنفاق الدنيا كحد أدنى للمعيشة تجاوزت حاجز المليونين ونصف المليون ليرة سورية شهرياً، وهو رقم يفوق بمراحل دخل معظم الأسر، مما جعل ما نسبته خمسة وثمانون إلى تسعين بالمئة من العائلات السورية تعاني عجزاً حقيقياً في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويتقاطع طرح الباحث هنا مع تقارير المنظمات الدولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي التي تؤكد دخول معظم السوريين في مرحلة أزمة أمن غذائي حادة، تفاقمت بفعل تراكم دمار البنية التحتية.
هذا الضغط المعيشي المتواصل، كما يرى كويفي، دفع الشارع إلى حافة لم يعد قادراً على تحملها، وتجلى ذلك في خروج وقفات احتجاجية وإضرابات شملت قطاعات حيوية كعمال النقل والمعلمين والمزارعين في عدة محافظات ممتدة من دمشق وحلب وصولاً إلى الرقة ودير الزور والقامشلي، ويوضح الباحث بأن الأمر لم يقتصر على القطاع العام، بل شهدت المصانع والمعامل التابعة للقطاع الخاص اضطرابات وتحركات عمالية تطالب بتعديل الأجور لتوائم الحد الأدنى من متطلبات العيش.
ويخلص كويفي في حديثه لـ Syria One إلى أن هذه الاحتجاجات لا تعني بالضرورة انهياراً كاملاً للمنظومة في الوقت الراهن، بقدر ما هي إشارة تحذيرية شديدة السخونة تؤكد أن قدرة السوريين على الصبر قد بلغت مداها الأقصى، وأن أي تباطؤ أو استهتار في الاستجابة الحكومية للمطالب شعبياً قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع لا يمكن التنبؤ بتبعاته.
مسؤولية السياسات الداخلية أمام المؤثرات الخارجية
في قياس أوزان المسببات، يجزم كويفي بأن سياسات الحكومة الانتقالية ساهمت في مضاعفة الضغوط الاقتصادية بسبب غياب التدرج في رفع الدعم، والتركيز على الإنفاق الأمني على حساب الاستثمارات الإنتاجية التي تولد فرص العمل وتدعم الاستقرار، يترافق ذلك مع ضعف في الشفافية وآليات الحوكمة الرشيدة، ورغم إشارة الباحث إلى غياب الإحصائيات الدقيقة والشاملة التي توضح حجم هذا الإنفاق بدقة، إلا أنه يؤكد أن المؤشرات العامة تعكس هذا الخلل البنيوي الواضح.
وعلى الجانب الآخر، يرى كويفي أن العوامل الخارجية ورغم ثقلها التاريخي قد شهدت تحولاً ملحوظاً، حيث كان لتخفيف العقوبات الدولية إلى حد كبير خلال عام 2025 أثر إيجابي في فتح بعض المنافذ الاقتصادية، ومع ذلك، يشدد على أن الديناميكيات الداخلية والقرارات السياسية والاقتصادية المتخذة حكومياً تظل هي الأكثر وزناً وتأثيراً في صناعة مشهد الغلاء الحالي، فالأزمة اليوم بحسب تعبيره، تُدار وتتفاقم بأدوات وقرارات داخلية بالدرجة الأولى.
أفق الحلول ومقترحات الاستقرار
يحذر كويفي من أن استمرار الأوضاع على حالها دون تدخل شجاع سينتج عنه مسارات اجتماعية وسياسية بالغة الخطورة، تتمثل في اتساع رقعة الفقر الهيكلي، وتزايد معدلات الهجرة الطاردة للكفاءات والشباب، وتراجع الثقة في المرحلة الانتقالية برمتها.
ولتفادي هذا السيناريو، يطرح الباحث حزمة إجراءات واضحة تبدأ بخطوات قصيرة الأجل تستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة ودعم قطاع الزراعة، وفي مقدمة ذلك مراجعة أسعار شراء القمح من المزارعين بما يضمن لهم هامش ربح مجزٍ، وتعديل تعريفات الكهرباء والوقود الموجهة للعمليات الإنتاجية لخفض تكاليف السلع.
أما على المدى المتوسط، فيؤكد كويفي أن الإنقاذ الاقتصادي يتطلب تنفيذ إصلاح بنيوي شامل يرتكز على بناء شبكة أمان اجتماعي فعالة وقادرة على استهداف المستحقين بدقة، وضخ استثمارات حقيقية في قطاعي الزراعة والطاقة باعتبارهما عصب الاقتصاد الوطني، مع تعزيز الشفافية المطلقة وتوحيد الإدارة الاقتصادية والمالية عبر مختلف المناطق السورية، مستنداً في هذا النطاق إلى أهمية اللامركزية الإدارية كضرورة ملحة لإدارة الموارد بمرونة وعدالة.
ويشير الباحث إلى أن فرصة النجاح وتبديل المسار قائمة ومتاحة حالياً، مستفيدة من مناخ تخفيف العقوبات وإمكانية جذب الرساميل والاستثمارات الخارجية، لكن اقتناص هذه الفرصة مشروط بامتلاك الإرادة لتبني قرارات شجاعة تراعي الواقع الاجتماعي الصعب وتضعه في مقدمة الأولويات.
نحو مجلس حوكمة اقتصادي واجتماعي
وفي إطار صياغة الحلول المستدامة، يُذكر كويفي بالرؤية التي طرحها مراراً عبر المنابر الصحفية والندوات الفكرية في المراكز الثقافية، والتي تبرز الحاجة الملحة اليوم لتشكيل مجلس حوكمة اقتصادي واجتماعي وطني جامع، ويقترح كويفي أن يضم هذا المجلس نخباً وكفاءات وخبراء من اختصاصات ومناطق جغرافية متنوعة، بحيث يشمل الاقتصاديين، والماليين، والمهندسين، والأطباء، وعلماء النفس والاجتماع الحقيقيين، والمحامين، والعاملين في المجال البيئي، لضمان دراسة أي قرار من كافة أبعاده الإنسانية والتقنية قبل صدوره.
ولكي يحقق هذا المجلس الغاية من تأسيسه، يشدد الباحث على وجوب أن تحظى قراراته بصفة الإلزام بعد مراجعتها وتدقيقها من الجهات الحكومية والتشريعية المختصة، أو أن يتم إدراج هذه الرؤية كبند رئيسي وثابت ضمن بنود مؤتمر الحوار الوطني الجامع، في حال توفرت الظروف السياسية والوطنية الملائمة لانعقاده.






