تشهد الأسواق الزراعية أزمة حقيقية ترتبط بارتفاع نسب المتبقيات الكيميائية والمبيدات في الخضار والفواكه، وسط حيرة متزايدة حول قدرة المنتجات الوطنية على استعادة ثقة الأسواق الدولية وفتح باب التصدير من جديد، ولا سيما مع انعدام الآليات التي تتيح تتبع المنتج من الحقل إلى المرفأ. وفي ظل تدفق المركّبات المهربة أو المقلدة وغياب المخابر الميدانية، تبرز الحاجة الماسة لتشخيص الخلل التشريعي والإداري في التعامل مع الملف الزراعي، وهذا ما قدمه خبير المبيدات جورج ملوحي لـ Syria One حيث وضح أسباب ارتجاع الشحنات من الخارج، ووضح الحلول والتقنيات الكفيلة بتقليل استخدام المبيدات ودعم المزارع.
معضلة تتبع المصدر وشروط خلو المتبقيات
أكد ملوحي لـ Syria One أنه لا توجد حتى هذه اللحظة أي جهة رسمية معتمدة لمنح شهادة تؤكد خلو المنتجات من بقايا المبيدات وفق الحدود المسموح بها عالمياً، مشيراً إلى أن هناك وعوداً حكومية بشأن سحب عينات من أسواق الهال وإجراء تحاليل للأثر المتبقي، إلا أن هذه الإجراءات لم تدخل طور التنفيذ الفعلي حتى الآن. وأوضح ملوحي أن الحل المباشر لاستعادة التصدير يكمن في وجود مخبر معتمد يعطي شهادة رسمية تعترف بها الأسواق الدولية، أو الذهاب نحو النموذج المصري عبر تأسيس شركات مخصصة للتصدير تطبق برنامج الممارسات الزراعية الجيدة المعتمد دولياً، والذي يحدد قوائم المبيدات المسموحة وطرق استخدامها ومواعيدها لضمان أقل أثر متبقٍ، منوهاً إلى أن النشاطات الخاصة المقامة حالياً وإنشاء مجموعات لإنتاج المواد النظيفة هي خطوة خجولة وفي مرحلة الانتظار ولم تترجم لنتائج ملموسة بعد.
تداعيات التهريب وغياب التحليل
وبيّن ملوحي أن عدم خضوع المبيدات للتحليل والتسجيل في وزارة الزراعة، وتجاوز قائمة المواد الممنوعة محلياً وعالمياً، يضاعف الأزمة ويقود إلى الكوارث التصديرية.
كما أشار في هذا السياق إلى أن التحذيرات الرسمية الصادرة باللغتين الإنجليزية والألمانية كشفت مؤخراً عن إرجاع إحدى عشرة شحنة من ورق العنب، ست منها كانت متجهة من تركيا وخمس شحنات خرجت من سوريا نحو ألمانيا وحدها بسبب عدم مطابقتها للمواصفات.
وعن سبل تمييز المبيدات النظامية المعتمدة من قبل المزارع والتاجر، أوضح ملوحي أنها تحمل علامتين فارقتين بموجب القانون السوري، وهما ختم مراقبة المواد الكيميائية الصادر عن وزارة الزراعة، ولصاقة نقابة المهندسين الزراعيين المزودة بـ "بار كود" إلكتروني يتيح قراءة كافة البيانات الرسمية فور مسحه.
عجز السيطرة الحدودية
شدد ملوحي عبر Syria One على أن القانون يتطلب عدم إدخال أو الإفراج عن أي مادة كيميائية في المرافئ أو المطارات إلا بعد استحصال موافقة مسبقة من وزارة الزراعة وإخضاعها للاختبارات، إلا أن الواقع الحالي يشهد دخول كميات كبيرة عبر دفع رسوم العبور دون التثبت من مرجعيتها، إلى جانب تفاقم ظاهرة التهريب التي لا يمكن ضبطها بالسياق الحالي دون تعاون جماعي يضم المنظمات والمزارعين والحكومة، داعياً إلى إعادة تهيئة وتدريب لجان الحجر الزراعي وتواجدها الفعال في كل منفذ، لتكون قادرة ميدانياً على تمييز الشحنات المقلدة ومنع دخول البضاعة غير المرخصة إطلاقاً.
الثغرات التشريعية وغياب التنسيق الحكومي
وأوضح خبير المبيدات لـ Syria One أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية الصادرة مؤخراً، بل في غياب آليات التطبيق والتنسيق بين الوزارات المعنية، حيث كشف عن ثغرة سابقة استغلتها بعض الشركات التي أدخلت مبيدات صينية جاهزة عبر الاستحصال على موافقات من وزارة الصناعة تحت بند "المواد الخام للمصانع المحلية"، مستغلة انعدام الربط بين وزارات الصناعة والتجارة والزراعة، ليقتصر دور تلك الشركات على وضع اللصاقات داخل البلاد بزعم أنها مصنعة محلياً، مؤكداً أن القانون الصادر في عام 2026 يراعي المعايير العالمية، غير أن التطبيق على الأرض هو المحك الحقيقي لتجاوز أخطاء الماضي.
المزارع الحلقة الأضعف
أكد ملوحي أن إلزام المزارع بفترة الأمان قبل الحصاد يتطلب إرشاداً زراعياً قوياً ومنافسة حقيقية بين شركات المستلزمات، إلى جانب وجود تجار يتكفلون بدفع أسعار أعلى للمحاصيل النظيفة، مشيراً إلى أن المزارع يجد نفسه اليوم الحلقة الأضعف، إذ يضطر للاستدانة من تجار سوق الهال الذين لا يكترثون لجودة المواد بقدر اهتمامهم بتحقيق أرباح سريعة، ما يؤدي إلى انعدام التوعية والتعلم على حساب الخسارة الشحصية.
وضرب الخبير مثلاً برفض خمس وستين شحنة تفاح كانت متجهة إلى مصر، ما أدى إلى هبوط حاد في أسعار التفاح محلياً، الأمر الذي دفع ثمنه جميع المزارعين دون التمييز بين من أنتج محصولاً نظيفاً ومن استخدم مبيدات حظرية، لتنعكس الخسارة في نهاية المطاف على الاقتصاد الوطني ككل.
حقيقة كلفة المبيدات وهيكلية التكاليف الزراعية
ونفى ملوحي الأقاويل التي ترجع ارتفاع أسعار المنتج الزراعي إلى كلفة المبيدات، واصفاً ذلك بالطرح غير الدقيق بالحسابات الورقية، حيث لا تتعدى نسبة المبيدات والأسمدة مجتمعة من ثلاثة إلى خمسة بالمئة من إجمالي تكلفة الإنتاج.
وأوضح أن الارتفاع الفعلي يكمن في حوامل الطاقة من كهرباء وديزل وبنزين، بالإضافة إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار البذار العالي الجودة، وأجور العمالة، وأثمان أقفاص الفلين ونقل المحاصيل، مضيفاً أن المبيدات المعتمدة اليابانية والأوروبية والأمريكية ما زالت تُباع محلياً بأسعار أرخص من دول الجوار، ولم يشهد الارتفاع سوى المركّبات التقليدية كالنحاس والكبريت.
البدائل المتاحة وتقنيات الترشيد الحديثة
وأشار الخبير إلى أن الاعتماد على الإدارة المتكاملة للآفات والزراعة المستدامة ما زال خجولاً ومقتصراً على محاولات فردية، كاجتماع بعض المهندسين لتأسيس مجموعات للمنتجات الطبيعية، لكون السوق لا يمنح المزارع الملتزم بهذه البرامج أي فارق سعري يُعوض النقص الطبيعي في كمية الإنتاج كما هو الحال في دول مثل لبنان والأردن.
واستعرض ملوحي تقنيات حديثة غير متوفرة محلياً يمكنها تقليل استهلاك المبيدات بشكل هائل، كاستخدام آلات "الترولي" داخل البيوت البلاستيكية التي تخفض استهلاك المحلول من مائتي لتر إلى نحو سبعة وسبعين لتراً بفضل الضغط المرتفع والرذاذ الناعم، أو استخدام "الجرارات النافثة" في بساتين العنب التي تقرر كمية المياه والمبيد من ألف ومائتي لتر إلى ثلاثمائة لتر فقط، فضلاً عن آلات تعقيم درنات البطاطا أثناء الزراعة لتجنب الرش اللاحق.
استعادة المنتجات المرفوضة والمسؤولية الشاملة
اختتم ملوحي حديثه عبر Syria One بكشف واقع خطير يتمثل في إعادة طرح المحاصيل الزراعية المرفوضة من التصدير لعدم مطابقتها لنسب المتبقيات في الأسواق المحلية ليتناولها المواطن السوري، مما يسبب خفضاً إضافياً لأسعار المحاصيل وتكبيبد المزارع خسائر يدفعها عبر زيادة الإنتاج بالطرق التقليدية الجائرة للتعويض.
وأكد أن الحل يستوجب التزاماً من غرف التجارة والجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات للربط بين الكليات والأسواق، وإخضاع المهندسين والمزارعين لدورات تدريبية مكثفة حول برنامج "الجلوبال جاب" وتغيير ثقافة الرش المتكرر، وتبني المنتج النظيف من لحظة زراعته حتى تصديره للخارج.






