أصبح الغاز عملة نفوذ جديدة، من يمتلكها يستطيع ترتيب الأولويات وفرض تحالفات غير تقليدية، وهنا في سوريا يتقاطع الطموح التركي مع القلق الإسرائيلي، لتكون سوريا نقطة ارتكاز في معركة صامتة عنوانها سؤال كبير من يسيطر على طريق الطاقة إلى أوروبا؟
في قلب هذه اللعبة، لم يعد الأمن وحده هو المحرك، بل الغاز حيث راهنت إسرائيل، خلال السنوات الماضية على حقولها في شرق المتوسط مثل حقل ليفياثان، التي تعتبره رافعة استراتيجية تعزز موقعها الإقليمي وتفتح لها أبواب التأثير الدولي.
مشروعها يقوم على فكرة بسيطة وهي أن تتحول إلى عقدة تصدير رئيسية، بما يمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الضيقة، غير أن هذا الطموح يصطدم اليوم بمعادلة جديدة تتشكل في الشمال.
تركيا، من جهتها، لا ترى في سوريا مجرد عمق أمني، بل ممراً محتملاً لإعادة رسم خريطة الطاقة، فأنقرة تدرك أن الجغرافيا قد تكون أكثر قيمة من الثروة نفسها، وأن التحكم بخطوط الإمداد قد يفوق في أهميته امتلاك الغاز ذاته. لذلك، فإن انخراطها في الملف السوري لم يعد محكوماً فقط بهاجس الأمن، بل برغبة واضحة في تثبيت موقعها كمركز عبور لا يمكن تجاوزه.
في هذا السياق، تكتسب سوريا وزناً مضاعفاً، فهي ليست فقط دولة تملك احتياطات واعدة من الغاز، بل تمثل عقدة وصل محتملة بين الخليج وأوروبا.
الحديث عن إحياء مشاريع مثل خط الغاز القطري، الذي يمر عبر السعودية والأردن وصولاً إلى تركيا، يعكس كيف يمكن للجغرافيا السورية أن تتحول إلى شريان حيوي في سوق الطاقة العالمية، وإذا ما تحقق ذلك، فإن أنقرة لن تكون مجرد لاعب، بل بوابة إجبارية للطاقة نحو الغرب.
هذا السيناريو هو ما يثير القلق في تل أبيب، فنجاح تركيا في ربط الخليج بأوروبا عبر سوريا يعني تقويض فكرة "الممر الإسرائيلي" وتقليص هامش الهيمنة الذي تسعى إليه في شرق المتوسط، كما أن تعاظم الدور التركي قد يمتد إلى ملفات أخرى، من ترسيم الحدود البحرية إلى التأثير في التوازنات اللبنانية، ما يضيف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد.
لكن هذه المعركة لا تُحسم فقط بين أنقرة وتل أبيب، فهناك لاعب ثالث يمسك بخيوط مهمة، هو الولايات المتحدة، التي توازن بين مصالح حلفائها وتحدد إلى حد كبير سقف التحركات الممكنة.
كما أن أوروبا، الباحثة عن بدائل للغاز الروسي، تشكل الجائزة الكبرى التي يسعى الجميع للوصول إليها، ما يجعل من خطوط الأنابيب أدوات نفوذ بقدر ما هي مشاريع اقتصادية.
يبدو أن الغاز لم يعد مجرد مورد طبيعي، بل تحول إلى لغة جديدة للصراع، وسوريا التي كانت يوماً ساحة حرب، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة أكبر إما أن تتحول إلى جسر للطاقة يربط المصالح المتنافسة، أو تبقى رهينة صراع مفتوح على طرق الإمداد، وفي كلتا الحالتين، لم يعد ممكناً فهم ما يجري دون قراءة ما تحت الأرض، حيث يُكتب مستقبل النفوذ فوقها.






