يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً قوياً خلال عام 2026، في وقت لا تزال فيه معدلات الفقر مرتفعة على نطاق واسع، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة النمو الاقتصادي والإصلاحات المرتبطة به على تحسين مستوى معيشة المواطنين، في ظل تحديات تتعلق بالأجور وفرص العمل والاستثمار والإنتاج.
وفي حديثه لـ Syria One، يرى الباحث والمحلل الاقتصادي عبد القادر كنان الحسن أن تسجيل نمو اقتصادي بالتزامن مع استمرار الفقر لا يمثل بالضرورة تناقضاً، موضحاً أن تنامي الاقتصاد قد يرتبط بزيادة الرساميل والمشاريع والأصول، من دون أن تنعكس هذه الزيادة بالقدر نفسه على الفئات محدودة الدخل.
ويشير الحسن إلى أن امتلاك رؤوس الأموال لأدوات الإنتاج، بما فيها المشاريع والأصول العقارية وغير العقارية والمنشآت، يمكن أن يؤدي إلى زيادة العوائد لدى أصحابها، بينما تواجه الفئات الفقيرة ضغوطاً أكبر نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف فرص العمل.
ويرى أن الفجوة تتسع عندما تبقى أجور العاملين منخفضة ولا تتناسب مع تكاليف المعيشة، لافتاً إلى أن معظم الموظفين، وفق تقديره، لا تزال رواتبهم غير كافية، في ظل ما يعتبره غياباً لقواعد رادعة أو تعريفات واضحة لأجور العاملين.
من النمو الاقتصادي إلى تحسن المعيشة
وبحسب الحسن، فإن تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين يحتاج إلى إجراءات تتجاوز ارتفاع مؤشرات النشاط الاقتصادي، في مقدمتها زيادة الرواتب وتحسين مستويات الأجور.
كما يدعو إلى إلزام الشركات الاستثمارية الوافدة بتوفير أجور جيدة للعمال والخبرات والمهنيين السوريين، بحيث تتقارب مع ما يحصل عليه نظراؤهم من الموظفين والخبراء والعمال الوافدين.
ويرى أن جذب الاستثمار الحقيقي يمثل عاملاً أساسياً في خلق فرص عمل جديدة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة تحقيق تكافؤ الفرص بين المستثمرين المحليين والأجانب، وابتعاد المشاريع الاستثمارية عن ممارسات الفساد، بما يتيح، وفق رؤيته، تحقيق نمو اقتصادي أكثر فاعلية.
الإنتاج الزراعي وتأثيره على الأسعار
ويربط الحسن بين تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج المحلي، مشيراً إلى أن الأراضي الزراعية في سوريا لم تستثمر، وفق تقديره، بالشكل الأمثل، ويدعو إلى تفعيل الأراضي الزراعية وزيادة الإنتاج، موضحاً أن زيادة المعروض من المنتجات الزراعية يمكن أن تسهم في خفض أسعار بعض السلع، بما ينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، بالتوازي مع تفعيل المشاريع الاستثمارية وخلق فرص العمل.
إصلاح المصارف.. من التمويل إلى الاستثمار
وفي ما يتعلق بإصلاح القطاع المصرفي، ينتقد الحسن ما يعتبره استمرار المصارف السورية العامة والخاصة في أداء دور تقليدي يتركز على حفظ الأموال ومنح التمويل مقابل الفائدة أو وفق صيغ المرابحة الإسلامية.
كما يرى من وجهة نظره أن هذا الدور لا يكفي نحو تحقيق نمو اقتصادي أو تطوير العمل المصرفي، داعياً المصارف إلى الدخول في مشاريع استثمارية وتنموية حقيقية، وإقامة شراكات مع القطاعين العام والخاص.
ويعتبر الحسن أن المصارف تحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة الاقتصادية، بدلاً من التركيز على ضمان الربح قبل تقديم التمويل، مشيراً إلى أن المصارف العامة والخاصة لم تدخل، بحسب تقييمه، بما يكفي في مشاريع تنموية حقيقية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، إذ يدعو إلى توجيه التمويل نحو مشاريع حيوية تحمل، إلى جانب هدفها الربحي، رسالة اجتماعية وتنموية.
بيئة الاستثمار والشفافية
أما فيما يتعلق بتحسين بيئة الاستثمار، فيرى الحسن أن وجود صفقات استثمارية كبيرة تشوبها، بحسب وصفه، ممارسات فساد يمكن أن يؤثر في ثقة الشركات الخارجية ورغبتها في الاستثمار في سوريا.
ويشدد على ضرورة توفير مناخ اقتصادي أكثر شفافية وخالٍ من الفساد، مع ضمان تكافؤ الفرص أمام المستثمرين، معتبراً أن تحسين البيئة الاستثمارية يمثل شرطاً أساسياً لجذب استثمارات قادرة على خلق فرص عمل وتحقيق قيمة مضافة.
توصيات صندوق النقد والقدرة على تنفيذها
وحول مدى قدرة سوريا على الالتزام بالإصلاحات التي أوصى بها صندوق النقد الدولي، لا يتوقع الحسن أن تلتزم البلاد بهذه التوصيات بالشكل المطلوب، مرجعاً ذلك إلى ما يعتبره ضعفاً في الخبرة والتخصص داخل الإدارة الاقتصادية.
ويرى أن نجاح الإصلاح الاقتصادي يحتاج كذلك إلى إدارة اقتصادية قادرة على وضع وتنفيذ خطط واضحة، مشيراً إلى ضرورة وجود خطط سنوية أو خمسية للدولة، معتبراً أن الاقتصاد السوري يفتقر، وفق تقييمه، إلى خطة شاملة ومتكاملة تحدد مساره التنموي.
وفي ظل توقعات صندوق النقد بتحسن أداء الاقتصاد واستمرار تحديات الفقر والمعيشة، يرى الحسن أن أثر الإصلاحات الاقتصادية لا يتوقف فقط على تحقيق معدلات نمو إيجابية، وإنما على قدرة السياسات المتبعة على خلق فرص عمل وتحسين الأجور وزيادة الإنتاج وجذب الاستثمار وتطوير دور القطاع المصرفي.
وبذلك، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة النمو المتوقع على الانتقال من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى نتائج يشعر بها المواطن، في وقت تتطلب فيه معالجة الضغوط المعيشية، وفق رؤية الحسن، بيئة استثمارية أكثر شفافية، وإدارة اقتصادية متخصصة، وخططاً تنموية واضحة، إلى جانب سياسات ترفع الإنتاج وتوسع فرص العمل وتحسن الدخول.






