في المشهد المهني اليوم، لم يعد نادراً أن تلتقي بمهندس يُدرّس المواد الأساسية، أو صيدلاني يُدير حجز الغرف في فندق. ظاهرة "العمل في غير التخصص الأكاديمي" لم تعد مجرد سلوك اضطراري للهروب من ضغط المعيشة، بل أضحت تعكس واقعاً جديداً يفرض فيه سوق العمل معيار المهارة والخبرة التطبيقية على حساب الشهادة التقليدية.
بين شغف التخصص ومتطلبات العيش
تتعدد القصص في الشارع، لكن النتيجة تصب في قالب البحث عن الاستقرار والفرصة الحقيقية:
تستعرض راما (مهندسة مدنية) في تصريح خاص لـ Syria One تجربتها بعد اتجاهها للتدريس قائلةً:
"بسبب ندرة الفرص والمشاريع في مجالي، واشتراط حوزتي على مهارات وخبرات طويلة وأنا حديثة التخرج، اضطررت للبحث عن خيار بديل يؤمن دخلاً مستقراً، حتى لو كان بعيداً عن هندستي".
أما نغم (خريجة أدب إنكليزي)، فتوضح في حديثها لـ Syria One أسباب تحولها للعمل الإداري قائلة: "تخرجت بأمل ممارسة اختصاصي، لكن العروض كانت شحيحة وبمردود ضعيف، ومتطلبات مهارات وكفاءات من الطبيعي جدا عدم امتلاكي لها كخريجة حديثة، فاتجهت لعمل إداري أثبتّ فيه وجودي عبر مهارات تنظيمية اكتسبتها ذاتياً".
وفي مفارقة أخرى، يتحدث علي (صيدلاني) في تصريحه لـ Syria One عن عمله الفندقي قائلاً: "افتتاح صيدلية يحتاج لرأس مال ضخم، والعمل لدى الغير بصفة صيدلاني غير متاح وإن أُتيح فهو غير مجدٍ، لذا التحقت بالقطاع الفندقي الذي وجد فيّ مهارات تواصلية أنسب، ولو على حساب دراستي، المهم الآن لقمة العيش الكريمة".
بين الجمود الأكاديمي واشتراطات السوق
هنا تتجلى الإشكالية الحقيقية؛ ففي ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، يجد الطالب أو الخريج نفسه مجبراً على مطاردة أي عمل يؤمن له سد رمقه واحتياجاته الأساسية. هذا الاضطرار يولد مشاعر بؤس وعدم رضا ترافق أصحاب هذه التجارب؛ إذ يجدون أنفسهم في بيئات عمل لا تشبه طموحاتهم، مما يطفئ شغفهم ويهبط بقدرتهم الإنتاجية إلى أدنى مستوياتها. هؤلاء الشباب لا يملكون أساساً "رفاهية الوقت" أو القدرة المالية للانتظار والاستثمار في تطوير مهاراتهم الميدانية في صلب اختصاصهم، مما يضعهم في منطقة رمادية بين جامعة لم تمنحهم التأهيل العملي، وسوق عمل يطالبهم بمهارات لا يملكون ثمن اكتسابها.
تراجع الأكاديمية لصالح المهارة
وفي تصريح خاص بـ Syria One، يوضح خبير الموارد البشرية فؤاد حموليلي: "أن سوق العمل شهد تحولاً بنيوياً في معايير الانتقاء؛ إذ تراجعت سطوة التأهيل الأكاديمي النظري لصالح المهارات والخبرات العملية الميدانية، مشيراً إلى أن شغل الوظائف من قِبل غير المختصين لم يعد يشكل عائقاً إنتاجياً لدى الشركات التي تقيس الكفاءة بالإنجاز والمهارة الفردية لا بنوع الشهادة.
ويضيف حموليلي موضحاً عمق الفجوة التعليمية: "المناهج الأكاديمية الحالية باتت منفصلة عن المتطلبات المتسارعة لسوق العمل في معظم التخصصات—كالإعلام والإدارة واللغات—باستثناء التخصصات الطبية التي تمتاز بالجانب التطبيقي المباشر. التأهيل الجامعي يظل خطوة ضرورية لإثبات القدرة الفكرية والانضباط، لكنه لم يعد كافياً بمفرده؛ لذا أصبح من الملحّ على الشباب تطوير قدراتهم الذاتية عبر التدريب المستمر، لأن بيئة العمل اليوم تدار بالمهارة أكثر من الشهادات المطبوعة."
في النهاية، ليست القضية مجرد شباب يغيرون مساراتهم المهنية لسد الرمق، بل هي أزمة نظام تعليمي ما زال ينتج شهادات لا تشبه السوق، وسوق عمل لا يراعي إحباطات الخريجين. إن معالجة هذه الفجوة لا تبدأ بتحميل الشباب مسؤولية تطوير أنفسهم في زمن انعدمت فيه الرفاهية، بل بإنشاء جسر حقيقي بين قاعات الدراسة وواقع الإنتاج كي لا تبقى الشهادة مجرد ورقة معلقة على الحائط.






