قد يبدو السيناريو المكتوب لـ فيلم "الست" من قبل أحمد مراد يحاول الإضاءة على الجانب الذي لم يروَ عن "أم كلثوم"، متخلصاً من قدسية الشخصية في الذاكرة المصرية خصوصاً، والعربية عموماً، ويركز على أنسنتها بالقدر الممكن ليكون المتلقي أمام ما لا يتوقعه، ويخرج الفيلم من كونه مجرد فيلم سيرة ذاته لشخصية ملهمة إلى حكاية شخص كان جزءاً أساسياً من المرحلة التي عاشها على المستويين السياسي والمجتمعي، ولأن المخرج مروان حامد كان على قدر مسؤولية مثل هذا الفيلم اختار أن يخلق أربع مستويات من الصورة، وينتقل ما بينها برشاقة، فالمتلقي أمام الحدث الحكائي العام لـ الست سيجد الصورة ملونة، لكن حين الدخول إلى اللحظات الذاتية التي تمس "سومة"، الإنسانة سنجد الصورة تتحول إلى الأسود والأبيض، وكأنه ممايزة بين مستويين من الحكاية الشخصية، ما تعيشه لـ الآخر وما تعيشه لـ ذاتها، كما إن الشريط احتوى على لقطات تبدو فيها الصورة مأخوذة بكاميرا سينمائية من العصر الذي عاشته أم كلثوم في محاولة للوقف على أهمية "أم كلثوم"، كـ مصدر للبحث عن اللحظة الفنية الفارقة في ذاك الوقت، وهذه اللقطات لم تأخذ مكان أهمية الوقوف على صور حقيقية لـ "سومة"، تضاف للشريط لتدعيم المستوى التوثيقي في الشريط، وعلى هذا يكون خيار المخرج في تقسيم الصورة في الشريط الفيلم لـ الست إلى هذه المستويات الأربع واحداً من أهم عوامل نجاح الفيلم في الوصول إلى المتلقي.
الفيلم أظهر جوانب مهمة من الحياة الفنية في مصر خلال الزمن الذي عاشته "سومة"، وبذلك يكون حامد نجح في أن يقول إن كوكب الشرق كانت جزءاً من هذه الحياة ولا يمكن اختصار التاريخ الفني المصري بأشخاص، أو بنوعية واحدة من المسارح، وعلى اختلاف أنظمة الحكم التي مرت على مصر، فإن رأس هرم السلطة في هذا البلد كان قريباً من الحياة الفنية ومهتماً بها، كما إن الفنان بذاته كان جزءاً من الحياة السياسية، فـ سومة التي انتزعت الفوز في انتخابات نقابة المهن الموسيقية بفضل مكانتها الفنية وقدرتها على تأمين فرص العمل للموسيقيين، هي ذاتها غنت لـ "الملك فارق"، اغنيتها الشهيرة "يا ليلة العيد"، ثم عادت لدعم "المجهود الحربي"، من خلال نشاطها الفني والمجتمعي، وهي ذاتها التي تظهر في أكثر من مشهد خلال الفيلم حريصة على حقوقها المادية من الحفلات، وعلى ثروتها من الضياع، وهي ذاتها أيضاً التي تدخلت في صناعة الإعلام لتكون من النساء الأوائل على مستوى الوطن العربي التي تكتب عاموداً صحفياً.
ما يهم في فيلم "الست"، أنه أعاد تعريف طريقة كتابة السيرة الذاتية في السينما العربية عموماً، فالتطرق لـ شخصية ما، يمكن أن يتجاوز هالة التقديس التي يضعها الجمهور حول هذه الشخصية والذهاب نحو أنسنتها وتقديمها بالصورة الأكثر قرباً على الواقع دون الوقوف عند مخاوف ردود الأفعال السلبية التي قد تصدر عن النقاد او الجمهور، وليس بالضرورة أن تبدأ أحداث الفيلم منذ لحظة ولادة الشخص الذي نتحدث عنه، فـ الست بدأ من حفلها على مسرح "الأولمبيا"، في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1967، لدعم المجهود الحربي المصري بعد أشهر قليلة من نكسة حزيران، وهو الحفل الذي شهد اندفاع أحد المعجبين في محاولة لتقبيل قدم السيدة أم كلثوم، ما أدى لاختلال توازنها ووقوعها على خشبة المسرح، إلا أن شريط الفيلم يركز على توجيه الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر"، الأوامر فوراً لمتابعة الحادثة، إذ كان من بين الجمهور المصري الذي يستمع للحفلة عبر الراديو، من هنا ينطلق الفيلم في اختيار المحطات الأبرز في مسيرة "أم كلثوم"، الفنية والسياسية، مع التعريج على حالات الحب التي عاشتها دون أن تكتمل لأسباب متعددة، مروراً بمرضها وزواجها، وخوفها، ووحدتها، وآليتها في العمل والتعاطي مع الشأن السياسي، وحتى موقفها من الثورة المصرية التي أنهت الحكم الملكي وكيف بقيت مكتفية بالصمت لكونها من بين الذين غنوا لـ "فاروق"، إلى أن قررت السلطات الجديدة وبقرار مباشر من رئيس الجمهورية أن تغني أم كلثوم في مناسبة لـ الثورة، وهذا ما يؤكد على القيمة الفنية والمجتمعية لـ "سومة"، وهو الحدث الذي جعلها تنتقل من كونها مطربة تحظى برعاية ملكية وقريبة من الأسرة الحاكمة حد الوقوع في حب أحد أفرادها، والانتقال إلى موالاة مطلقة للثورة والحظي بدعم مباشر من جمال عبد الناصر، دون أن يصمها الجمهور بأي من الأوصاف السياسية التي تعبر عن التقلب بالرأي، وهذا يحيل إلى خلق مقاربة بين ما طرحه الفيلم وما تعيشه سوريا، فأي فنان كان له موقف سياسي مخالف للثورة قبل سقوط بشار الأسد، هو الآن محاصر بالكثير من التوصيفات والاتهامات، ربما لا يوجد فنان سوري وصل إلى القيمة التي تعطيها "أم كلثوم"، لـ الفن، لكن أليس هناك عمالقة بين السوريين..؟
"الست"، تعرض للكثير من الانتقادات من بينهما اختيار "منى زكي"، لتجسيد شخصية أم كلثوم، ولم تقوم تلك الانتقادات على جودة الأداء وإنما على المقاربة للتشابه في البنية الجسدية، كما استدعى الجمهور مقارنة بين الفيلم ومسلسل "أم كلثوم"، المنتج في العام 1999، من إخراج إنعام محمد علي وبطولة صابرين، والذي قدّم معالجة تفصيلية لحياة "كوكب الشرق"، كما اعتبر البعض أن الفيلم مؤامرة لتشويه مسيرة "سومة"، خاصة بعد الإعلان عن دعم الفيلم من خلال صندوق "Big Time" (المدعوم من هيئة الترفيه السعودية برئاسة المستشار تركي آل الشيخ)، غير أن آل الشيخ نشر لاحقاً توضيحاً رسمياً نفى فيه ما تم تداوله بشأن وجود دور لموسم الرياض، في إنتاج أو إخراج أو إعداد فيلم "الست"، مؤكداً أن هذه المعلومات غير دقيقة، ولا تستند إلى حقائق صحيحة.
يبقى فيلم "الست"، واحداً من أهم الأفلام العربية المنتجة حديثاً، ويعيد التذكير بأن السينما المصرية التي تقترب من العالمية في صناعة الصورة تقف على مسافة بعيدة من بقية الدول في صناعة السينما في العالم العربي ككل، ويبقى للمواطن السوري حق الحسرة على واقع السينما في بلاده إن كان لجهة الإنتاج او واقع دور العرض والبنية التحتية للإنتاج السينمائي.






