شهد القطاع الطبي في سوريا محطة فارقة مع دخول جهاز تنظير القصبات بالأمواج فوق الصوتية الخدمة رسمياً في مشفى اللاذقية الجامعي كأول مركز من نوعه في البلاد، هذا الإنجاز النوعي جاء نتيجة تضافر جهود أكاديمية وإنسانية رفيعة المستوى، بالتعاون بين اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين في فرنسا، ممثلاً بلجنة الأمراض الصدرية برئاسة د.خضر الآغا ود.عبد المنعم حميد، وبدعم ومبادرة كريمة من د. إبراهيم سليم قعقع الذي تبرع بتجهيز المركز بالكامل.
نقلة نوعية في التشخيص الرئوي
يوضح د.خضر الآغا، استشاري الأمراض الصدرية في فرنسا، عبر تصريحاته لـ Syria One، أن هذه التقنية تختلف جذرياً عن التنظير التقليدي بقدرتها الفريدة على تحديد العقد البلغمية والكتل المجاورة للقصبات وإجراء خزع دقيقة منها، ويتيح هذا الجهاز الوصول إلى تشخيص نسيجي دقيق لأورام الرئة والأمراض التهابية كالساركوئيد والسل، مما يسهم بشكل مباشر في تحديد الخط العلاجي الملائم لكل مريض.
وفي السياق ذاته، تؤكد د.ميس ياسين، اختصاصية الأمراض الصدرية التي أشرفت ونفذت أول إجراء بتقنية (EBUS) في سوريا، في حديثها لـ Syria One، أن هذا الابتكار يمثل ثورة تكنولوجية حقيقية تدمج بين التنظير الليفي المرن والأمواج فوق الصوتية لرؤية ما خلف جدار القصبات بدقة متناهية. وتوضح أن المريض يخضع للإجراء عبر الفم تحت التخدير الموضعي مع التركين أو التخدير العام، ليتراوح وقت الجلسة بين ثلاثين وستين دقيقة مع إمكانية تخريج المريض إلى منزله بعد عدة ساعات فقط، متجاوزين بذلك التدخلات الجراحية المعقدة والاستشفاء الطويل الذي كان مفروضاً سابقاً.
تجنب للجراحات الغازية
تنعكس دقة الخزعات المأخوذة عبر هذا الجهاز بشكل مباشر على رسم الخطة العلاجية للمريض، فعند الشك بالإصابة بورم في الرئة، يصبح الاستقصاء أساسياً لتحديد ما إذا كانت العقد البلغمية مصابة في نفس جانب الورم، وهو ما يحتم البدء بالعلاج الكيماوي والمناعي قبل الجراحة، بينما تشكل إصابة العقد في الجانب المقابل مضاد استطباب للجراحة وتفتح الباب أمام المعالجة الشعاعية أو الدوائية.
تغني هذه التقنية المرضى عن جراحات تنظير المنصف التقليدية التي تتطلب جروحاً في مدخل الصدر وفترات استشفاء أطول مع نسب اختلاطات أعلى. ويشير د. خضر الآغا في تصريحاته لـ Syria One إلى أن هذا الاستقصاء أصبح ممارسة روتينية في المراكز الأوروبية، وإدخاله إلى سوريا سيرفع دقة تحديد المراحل السرطانية، ويضمن وضع خطط علاجية أدق وأكثر فاعلية، فضلاً عن تجنيب المرضى جراحات غير مستطبة.
خبرات متقدمة وتدريب واعد
تلقت د.ميس ياسين تدريباً عملياً استثنائياً في وحدة المناظير التشخيصية والتداخلية المتقدمة بمشافي جامعة عين شمس في مصر، حيث تضاهي التجهيزات هناك كبرى المشافي الأوروبية، ولم يقتصر التدريب على تقنية (EBUS) فحسب، بل شمل أيضاً إجراءات تداخلية متقدمة كالليزر والأرغون بلازما، مع وجود خطط مستقبلية لإدخال هذه التقنيات تباعاً إلى مشفى اللاذقية الجامعي لضمان استدامة هذه الخدمة النوعية ووصولها إلى المحتاجين، وتم وضع آلية واضحة لاستقبال الإحالات من أطباء الصدرية والجراحة والأورام عبر نموذج مخصص يقيّم الحالة السريرية ويفرزها وفق الأولوية الطبية، مع إتاحة الخدمة لكافة القادمين من مختلف المحافظات السورية.
تحديات الاستدامة
تعتبر استمرارية العمل بهذه التقنية رهناً بتأمين المستلزمات الطبية المستهلكة ذات الاستخدام الواحد كإبر الخزعات والبالونات وأدوات المعالجة الخلوية الفورية نظراً لارتفاع تكلفتها وأهمية تجنب أي انقطاع في توريدها. كما يشكل نقص الكوادر المدربة تحدياً إضافياً يقع عبؤه مؤقتاً على الفريق الحالي، وهو ما تواجهه المبادرة ببرامج تدريبية ومحاضرات متخصصة تنظمها د.ميس ياسين للزملاء والأطباء.
ويختتم د.خضر الآغا حديثه لـ Syria One بالتأكيد على أن لجنة الأمراض الصدرية في اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين في فرنسا تضع ضمن خططها قصيرة المدى توسيع نطاق هذا الاستقصاء الحيوي ليصل قريباً إلى المشافي الجامعية في مدينة دمشق، ويصبح ركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية بجميع أنحاء سوريا.






