سياسي

في ملف السوريين بألمانيا.. تنتصر السياسة أم الاقتصاد؟.. محلل لـ Syria One: نهاية مرحلة وبداية أخرى وسحب الحماية ليس قرار ترحيل

271
في ملف السوريين بألمانيا.. تنتصر السياسة أم الاقتصاد؟.. محلل لـ Syria One: نهاية مرحلة وبداية أخرى وسحب الحماية ليس قرار ترحيلبتول حسن

شهدت ألمانيا تصاعداً ملحوظاً، في معدلات سحب وإلغاء وثائق الحماية الممنوحة للاجئين السوريين خلال النصف الأول من عام 2026 الجاري، في ظل توسيع السلطات الألمانية إجراءات التدقيق ومراجعة الملفات القانونية، بالتزامن مع تقييمها المستمر لتطورات الأوضاع في سوريا.


ووفقاً لبيانات نشرتها صحيفة "دي فيلت" الألمانية، فقد أظهر رد الحكومة الألمانية على استفسار كتلة اليسار البرلمانية أن 23.2% من 8,320 مراجعة لطلبات اللجوء في النصف الأول من العام انتهت بالإلغاء أو السحب، معظمها للاجئين السوريين، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة، تُشكل ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالعامين الماضيين، إذ بلغت نسبة السوريين الذين فقدوا وضع الحماية ضمن الحالات التي خضعت للمراجعة 3.7% في عام 2025، و3.1% في عام 2024.


وكانت عمليات المراجعة تركز بدايةً على حالات محددة، من بينها الأشخاص المدانون بجرائم أو المصنفون ضمن الأشخاص الخطرين، إضافة إلى الحالات التي تبين فيها للسلطات أن أصحابها عادوا إلى سوريا.


لكن منذ منتصف حزيران الماضي، بدأ المكتب الاتحادي توسيع نطاق المراجعات تدريجياً ليشمل فئات أخرى، في ضوء ما تعتبره السلطات تحسناً في الوضع الإنساني داخل سوريا.


بين حاجة الاقتصاد وتشديد اللجوء


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والاقتصادي، ميلاد الأطرش، في تصريح لـ Syria One، أن ألمانيا تشدد على اللجوء، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى المهاجرين لسد فجوة سوق العمل، فـ "الاقتصاد الألماني يواجه معضلة لا يستطيع تجاهلها"، مضيفاً: "لا تبدو ألمانيا في عام 2026 كما كانت قبل سنوات في مقاربتها لملف اللاجئين السوريين، فالمعادلة التي حكمت السياسة الألمانية طويلاً، والقائمة على اعتبار سوريا بلداً تنتج فيه الحرب والاضطرابات أسباباً واسعة للحماية، تدخل اليوم مرحلة مختلفة تماماً، بعد التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا".


الأرقام الأخيرة تعكس حجم التحول بوضوح، بحسب الأطرش، فقد انتهت 23.2% من أصل 8320 مراجعة لوضع الحماية للسوريين خلال النصف الأول من عام 2026 إلى سحب أو إلغاء الحماية، مقارنة بـ3.7% فقط خلال عام 2025 و3.1% في 2024، لكن قراءة الرقم باعتباره مقدمة لترحيل ربع السوريين من ألمانيا ستكون قراءة متسرعة، "فالسياسة الألمانية لا تتحرك بهذه البساطة".


سحب الحماية ليس قرار ترحيل


ويضيف الأطرش: القضية الأساسية هنا هي الفصل بين صفة الحماية وحق الإقامة والتنفيذ الفعلي للترحيل، فإلغاء أو سحب الحماية يعني أن الأساس الذي مُنح الشخص بموجبه اللجوء أو الحماية الفرعية لم يعد قائماً، وفق التقييم القانوني للسلطات، لكنه لا يعني تلقائياً أن الشخص سيُرحّل في اليوم التالي، فقد يكون لدى السوري أساس آخر للإقامة، مرتبط بالعمل أو الدراسة أو الأسرة أو غيرها من الأطر القانونية، كما أن قرار سحب الحماية يمكن أن يخضع للمراجعة والطعن القضائي، والأهم أن الفارق بين القرار الإداري والتنفيذ على الأرض لا يزال كبيراً، فرغم تصاعد عمليات المراجعة، لم تسجل ألمانيا خلال النصف الأول من 2026 سوى ثلاث عمليات ترحيل إلى سوريا، ما يكشف أن تحويل سياسة التشدد إلى عمليات عودة واسعة لا يزال يواجه عقبات قانونية وسياسية وأمنية، وبالتالي، فإن الرقم 23.2% لا يعني أن 23.2% من السوريين في ألمانيا فقدوا إقاماتهم، ولا يعني أن ربع الجالية السورية بات مهدداً بالترحيل المباشر".


من "الحماية" إلى "إعادة التقييم"


ويعتبر الأطرش، أن ما تغير فعلياً هو فلسفة التعامل مع الملف، ليتابع: "لسنوات، كانت الحرب السورية هي العامل المركزي في تقييم طلبات الحماية، أما اليوم، فتتجه السلطات الألمانية بصورة متزايدة إلى إعادة تقييم الحالات فردياً في ضوء التغيرات التي طرأت على سوريا، وهذا التحول لا يعني أن ألمانيا تعتبر سوريا بلداً آمناً بصورة مطلقة، ولا أن جميع السوريين أصبحوا قادرين على العودة، لكنه يعني أن الافتراض السياسي والقانوني الذي ساد خلال سنوات الحرب لم يعد يعمل بالطريقة نفسها، ولهذا بدأت مراجعة ملفات أوسع، بما فيها حالات لأشخاص طال أمد إجراءات لجوئهم، أو أشخاص لا يُصنفون ضمن الفئات الأكثر ضعفاً، أو من ترى السلطات أن لديهم قدرة على إعالة أنفسهم أو شبكة دعم في سوريا، إنها في جوهرها عملية انتقال من منطق الحماية الجماعية إلى منطق التقييم الفردي".


والمؤشرات تقول إن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة جديدة، لكن الحديث عن سياسة أوروبية موحدة للترحيل سيكون مبالغة، بحسب الأطرش، ليضيف: "الدول الأوروبية تختلف في تقييم الوضع السوري، وفي آليات الإقامة، وفي شروط العودة، وفي سرعة تنفيذ قرارات الترحيل، إلا أن الاتجاه العام بات واضحاً: انخفاض أعداد طلبات اللجوء السورية الجديدة، مقابل زيادة التدقيق في ملفات الحماية القديمة، وفي ألمانيا تحديداً، انخفضت طلبات اللجوء السورية إلى نحو خمسة آلاف طلب فقط خلال النصف الأول من 2026، فيما بلغت نسبة رفض الطلبات السورية 68.6%، وفق البيانات التي


نقلتها الصحافة الألمانية عن الحكومة، وهذا تغير سياسي كبير مقارنة بسنوات الحرب، عندما كان السوريون يشكلون واحدة من أكبر مجموعات طالبي الحماية في ألمانيا، لكن هذا لا يعني نهاية الوجود السوري فيها، بل ربما يعني بداية مرحلة مختلفة تماماً من هذا الوجود".


الاقتصاد الألماني أمام المعادلة الصعبة


ويتابع المحلل بالقول: "هنا تظهر المفارقة التي تجعل السياسة الألمانية أكثر تعقيداً، فالضغط السياسي الداخلي يدفع باتجاه تشديد الهجرة واللجوء، لكن الاقتصاد الألماني يحتاج في المقابل إلى العمالة الأجنبية، وقد أصدرت وكالة العمل الاتحادية في 2025، أكثر من 521 ألف تصريح متعلق بسوق العمل للأجانب، بزيادة 17% عن العام السابق، وكان أكثر من ثلاثة أرباعها مرتبطاً بالهجرة إلى ألمانيا من أجل العمل الماهر، كما أن نحو 24% من التصاريح ذهبت إلى أشخاص من خلفية لاجئة، المشكلة إذاً ليست أن ألمانيا لا تريد المهاجرين، المشكلة السياسية هي: أي مهاجر تريد ألمانيا؟ وهنا يتبلور الفرق بين الهجرة التي تُدار من خلال نظام اللجوء، والهجرة التي تدخل من بوابة سوق العمل، فالدولة الألمانية تستطيع أن تكون أكثر تشدداً تجاه طلبات اللجوء، وفي الوقت نفسه أكثر انفتاحاً على الطبيب والمهندس والممرض والحرفي والعامل الذي يحتاجه اقتصادها".


السوري بين السياسة وسوق العمل


هذه المعادلة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للسوريين، وفق الأطرش، فالجالية السورية في ألمانيا لم تعد مجرد جالية وافدة حديثاً تنتظر تحديد مصيرها، وخلال أكثر من عقد، تحول جزء كبير منها إلى قوة عاملة مستقرة، ودخل أفرادها قطاعات مختلفة من الاقتصاد الألماني، من الصحة والخدمات إلى التجارة والضيافة والخدمات اللوجستية، وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال: "هل يعود السوري أم يبقى؟"، السؤال الحقيقي هو: بأي صفة سيبقى؟ لاجئاً؟ أم عاملاً؟ أم مقيماً دائماً؟ أم مواطناً ألمانياً؟ وهذه التحولات القانونية والاجتماعية قد تكون أهم من مجرد الجدل حول الترحيل.


السياسة تريد العودة.. والاقتصاد يريد اليد العاملة


المفارقة الألمانية أن السياسة والهجرة والاقتصاد لا تتحرك دائماً في الاتجاه نفسه، فالسياسة تريد ضبط الحدود وتقليص الهجرة غير النظامية والاستجابة لمخاوف جزء من الناخبين بحسب الأطرش، الذي أضاف أيضاً: "أما الاقتصاد فينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: هناك مجتمع يتقدم في العمر، وأعداد كبيرة من العاملين تقترب من سن التقاعد، وقطاعات تحتاج إلى موظفين لا تجدهم بسهولة، وتؤكد المفوضية الأوروبية أن ألمانيا تواجه نقصاً متزايداً في العمالة الماهرة في ظل خروج أعداد كبيرة من السكان في سن العمل إلى التقاعد، وهكذا تصبح المعادلة الألمانية شديدة الحساسية: كلما أرادت برلين تقليص الهجرة، وجدت نفسها مضطرة إلى استقطاب نوع آخر منها، وهذا ما يفسر التوسع الكبير في مسارات الهجرة المهنية".


من "السوري اللاجئ" إلى "السوري العامل"


يقول الأطرش: "ربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يجب مراقبته خلال السنوات المقبلة، فألمانيا لا تعيد فقط النظر في وضع السوريين، بل تعيد تعريف العلاقة بين اللجوء والهجرة والعمل، الشخص الذي انتهت حمايته لكنه يمتلك وظيفة مستقرة، ومؤهلات مهنية ولغة وسجلاً قانونياً سليماً، قد تكون أمامه مسارات مختلفة تماماً عن شخص لا يمتلك أي أساس آخر للإقامة، وهنا لا يصبح الاندماج مجرد قضية اجتماعية، بل يتحول إلى رأس مال قانوني واقتصادي وسياسي، ومن هذه الزاوية، فإن سوق العمل قد يصبح أحد أهم العوامل التي ستحدد مستقبل السوريين في ألمانيا، لكن الاقتصاد وحده لا يمنع الترحيل، مع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد أن حاجة ألمانيا إلى العمالة تمنح السوريين حصانة تلقائية، فالسياسة الألمانية تستطيع أن تفصل بين الهجرة الاقتصادية واللجوء، وقد يكون الاتجاه في المرحلة المقبلة هو تشجيع الأولى وتشديد الثانية، كما أن العمل بحد ذاته لا يمنع سحب الحماية، ولا يمنح تلقائياً حقاً دائماً في الإقامة، لكن وجود مسارات قانونية أخرى للإقامة يجعل المشهد أكثر تعقيداً من معادلة: سحب الحماية = ترحيل".


الاختبار الحقيقي بدأ الآن


ويرى الأطرش، أن ما يحدث في ألمانيا ليس مجرد حملة إدارية لمراجعة ملفات السوريين، بل إنه اختبار لنموذج أوروبي كامل في التعامل مع الهجرة، مضيفاً: "بعد سقوط نظام الأسد، أصبح على أوروبا أن تعيد الإجابة عن سؤال كانت تؤجله منذ سنوات: متى تنتهي الحماية التي فرضتها الحرب، ومتى تبدأ مسؤولية بناء علاقة جديدة مع سوريا والسوريين؟


ألمانيا تبدو اليوم في مقدمة الدول التي تحاول الإجابة عن هذا السؤال، لكنها تتحرك بين ضغط سياسي يطالب بمزيد من العودة، وواقع اقتصادي يحتاج إلى مزيد من العمالة، والتزامات قانونية تمنع تحويل القرارات الإدارية إلى ترحيل جماعي، لذلك فإن الرقم 23.2% لا ينبغي قراءته باعتباره إعلاناً عن نهاية الوجود السوري في ألمانيا، بل باعتباره إشارة سياسية إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى، المرحلة المقبلة لن يكون عنوانها بالضرورة "السوريون إلى سوريا"، وإنما قد يكون عنوانها الأكثر دقة: من يملك سبباً قانونياً واقتصادياً واجتماعياً للبقاء سيبحث عن موقع جديد داخل ألمانيا، ومن تنتهي كل أسس إقامته سيواجه طريق العودة، وهنا تحديداً ستتحدد ملامح المرحلة الجديدة.


ويختم المحلل ميلاد الأطرش، كلامه، بالإشارة إلى أن "ألمانيا قد تشدد أبواب اللجوء، لكنها في الوقت نفسه ستبقي أبواب العمل مفتوحة لمن تحتاج إليهم، وبين البابين، سيتحدد مستقبل السوريين في أوروبا".


مقالات ذات صلة

الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

يزداد الخلاف ويتسع داخل الحركة المحافظة الأمريكية ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، قبل أقل من 3 أشهر على انتخابات التجديد النصفي، بعدما انتقلت الاعتراضات على حرب إيران من أصوات متفرقة إلى محاولة أكثر وضوحا
16
عراقجي حول التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة.. دليل على اليأس

عراقجي حول التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة.. دليل على اليأس

رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة ووصفه بأنه دليل على اليأس، قائلا اليوم الأحد إن الإجراءات المتوقعة لن تفلح في هزيمة طهران
16
إيران: قائد الجيش الباكستاني يزور طهران غدا

بقائي: قائد الجيش الباكستاني يزور طهران غدا

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ​في بيان اليوم الأحد إن قائد الجيش الباكستاني عاصم ‌منير سيزور طهران غدا الاثنين لمواصلة الجهود الرامية إلى إحلال السلام والأمن في المنطقة
29
الولايات المتحدة ملتزمة بدعم جهود توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا

الولايات المتحدة ملتزمة بدعم جهود توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا

أكدت السفارة الأمريكية في ليبيا التزام الولايات المتحدة بدعم جهود توحيد المؤسسات العسكرية في البلاد
30
تنديد عربي بالهجوم الذي استهدف حافلة للأمن الداخلي السوري على طريق معرونة التل

تنديد عربي بالهجوم على حافلة للأمن الداخلي السوري على طريق معرونة التل

تواصلت ردود الفعل العربية المنددة بالهجوم الذي استهدف أمس السبت حافلة تابعة لقوات الأمن الداخلي في ريف دمشق وأدى لإصابة عدد من عناصرها
39
سيرياون إعلان 7