مجتمع

قلب على الحدود

17
قلب على الحدود ندى محمود القيّم

من ساحل عروس البحر باتجاه الشمال، رحلة قريبة بعيدة، بمسافة لا تتجاوز المئة والعشرين كيلومتراً، تقطع فيها الحدود البرية مشياً، لتطأ قدمك أول خطوة باتجاه أنطاكية، المدينة الغافية على كتف العاصي، الطفلة التي كبرت بعيداً عن أمها، لكن الأصل غلّاب، والهوى يُورث أيضاً على ما يبدو.


العلاقة التاريخية بين اللاذقية وأنطاكية لم تكن يوماً علاقة جارتين تثرثران من خلف الحواجز حينما تسنح الفرصة، بل هي أشبه بمثل شعبي يقول: «فولة وانقسمت نصفين». هي هكذا تماماً؛ فالكثير من الإخوة انقسموا بين اللاذقية وأنطاكية بسبب التغيرات السياسية التي طرأت على المنطقة عام 1939، فصار قلب يدق هنا، وقلب يدق هناك.


لكن الروح واحدة، والألم واحد، والفرح أصبح أفراحاً.


كبر الأولاد على غفلة منا، وحان أوان القطاف. العين كانت وما زالت على الضفة الأخرى، فهناك عناقيد من داليتنا نعرفها وتخصّنا، لحماً ودماً وخبزاً وملحاً، إضافةً إلى أن الذاكرة القديمة تئنّ مرةً وتحنّ مرات.


التزاوج الذي يحصل بين شبان أنطاكية وبنات اللاذقية ليس جديداً ولا غريباً، فهو حالة طبيعية منذ الماضي، لكنه اليوم أخذ شكلاً جديداً؛ شكلًا مندفعاً بروح الشباب والدم الساخن الذي يجري في عروقهم. فبعد سنوات طويلة، فُتحت الحدود أمام عرائس جدد، فلم تعد هناك حاجة للسفر إلى دولة أخرى لإتمام إجراءات الزواج وتصديق الأوراق، مما زاد عدد الحالات بشكل ملحوظ جداً.


شبان أنطاكية يجدون في الزواج من السوريات دفئاً مفقوداً وحنيناً موروثاً من الأجداد، الذين لطالما غنّوا لهم الأغاني الجبلية القديمة وحكوا لهم الحكايات السورية الأصيلة، فكبروا وفي قلوبهم حبّ لتلك المنطقة ومن فيها.


بالمقابل، فإن الأمر لم يقتصر على الساحل فقط، بل شمل جميع المناطق السورية الحدودية مع تركيا، لتتحد العائلات مرة أخرى ويلتئم شملها. فكم من عائلات أورفليّة (نسبةً إلى مدينة أورفا، جنوب شرقي تركيا) أعرفها شخصياً، لديها أراضٍ في مدينة الرقة، والعكس صحيح.


تقول زينة (27 عاماً) إن زواجها من أوميت لم يكن إلا بدافع الحب، رغم صلة القرابة التي تجمعهما. فقد التقيا عندما زارت عائلة أوميت أسرتها في عيد الأضحى، قبل سنوات، حين كانت زينة لا تزال في المرحلة الثانوية. وظلت في قلب أوميت وعقله طوال هذه المدة، وبعد أن أنهت دراستها الجامعية، تقدم لخطبتها، وتمّ النصيب.


أما مايا (31 عاماً) فقد تعرّفت إلى مصطفى عبر الإنترنت، وبعد فترة من المحادثات والاتصالات، زارهم مصطفى وتعرّف إلى عائلتها، ثم تمّ الزواج. لكنها تقول: "إن المرء، بمجرد أن يقطع الحدود ولو خطوة واحدة، يشعر بأن جزءاً من قلبه لا يزال هناك، في الطرف الآخر؛ فالغربة تبقى غربة، ولو كانت المسافة قصيرة، والتأقلم مع بيئة جديدة أمر صعب بكل الأحوال" .


لن أنفي احتمال أن يكون للحالة الاقتصادية يدٌ في قبول الفكرة، أو لعلها فرصة لا مانع من اقتناصها للسفر وبدء حياة بعيدة تماماً عن بلاد أنهكتها الحروب والأحزان. لكن نسبة نجاح هذه التجربة جيدة نسبياً بشكل عام؛ فالعادات والتقاليد المشتركة تخفّف عبء الغربة، إن صحّ التعبير، كما أن الغالبية تتحدث العربية في المناطق الحدودية. فلا للزمان يدٌ، ولا للمكان، ولا للغة أو الجنسية؛ فالأمر مرتبط بروحين اثنتين قد تحلّقان معاً، وقد تفترقان، كلٌّ في فضائه.


مقالات ذات صلة

31 أكتوبر تشرين الأول.. احتفالات الهالوين وتزيين القرع تعم العالم

31 أكتوبر تشرين الأول.. احتفالات الهالوين وإضاءة وتزيين القرع تعم العالم

في 31 أكتوبر تشرين الأول، تُقام احتفالات الهالوين "هالوين" في العديد من البلدان، وتتضمن أنشطة مثل ارتداء الأزياء التنكرية، وإضاءة اليقطين وتزيين القرع، والاستمتاع، والتقاط الصور.
32
وفد نسائي سوري في أسبوع المرأة والسلام والأمن بالأمم المتحدة

وفد نسائي سوري في أسبوع المرأة والسلام والأمن بالأمم المتحدة

شارك وفد رسمي من النساء السوريات لأول مرة في أسبوع المرأة والسلام والأمن في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك
90
الشرع والزيدي يبحثان بدمشق تعزيز التعاون الاقتصادي وأمن الحدود

الشرع والزيدي يبحثان بدمشق تعزيز التعاون الاقتصادي وأمن الحدود

بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال لقائهما في دمشق، تعزيز ‏التعاون الاقتصادي
475
منتجات "بيتنا".. خلف كل "مرطبان" قصة وسيدة تدعم عائلتها عائلتها

منتجات "بيتنا".. خلف كل "مرطبان" قصة وسيدة تدعم عائلتها

في قلب المعاناة السورية، تولد مبادرات نسائية، تحول المهارات المنزلية التقليدية إلى مشاريع إنتاجية ذات قيمة اقتصادية حقيقية، ومن هذه المبادرات يبرز مشروع "مونة بيتنا" الذي لا يكتفي بإنتاج المونة بوصفات الجدات
458
​باحثة اجتماعية لـ Syria One: طلب المرأة للدعم من الأسرة أو الشريك ليس ضعفاً ولا يتعارض مع استقلالها

​باحثة اجتماعية لـ Syria One: طلب المرأة للدعم من الأسرة أو الشريك ليس ضعفاً ولا يتعارض مع استقلالها

حين انطلقت الحركة النسوية بعد الثورة الصناعية، كانت صرخة حق  لنساء أُنهكن بالعمل في المصانع بظروف عمل قاسية وأجور زهيدة مقارنة بالرجال وتهميش كبير
527
سيرياون إعلان 7