لجوء الكثيرين إلى عالم "شات جي بي تي"، وتنصيبه منصب الملجأ والملاذ الحقيقي ليكون خياراً بديلاً عن الواقع المرفوض، ليس إلا وهماً سيدمر لاحقاً أحلام كل من تخيّل أنه الحل المناسب لأشياء كثيرة في حياته.
موقع Syria One التقى الأخصائية النفسية سوسن عبد الله التي قالت إنه في زمن التسارع و زحمة الحياة، نشعر بالوحدة، وأصعب مافي الشعور بالوحدة ليس غياب الناس فقط، بل غياب من يفهمنا وينصت إلينا دون ملل ودون إطلاق الأحكام علينا، فنفتح هواتفنا لمحادثة شات جي بي تي أو غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي، ليس بهدف المعلومات فقط، بل لأنه يمنحنا شعوراً مؤقتاً بالرفقة.
في زمن الميديا، نشعر بالعجز من أن نكون حقيقيين، فمعظم الناس يضعون أقنعة وينفصلون عن الواقع، ومن هنا تولد علاقة الإنسان ب شات جي بي تي الذي يتحول من أداة ذكية إلى ملاذ آمن للفضفضة، ليملأ فراغ الصمت ووحشة الليالي.
وعن اللجوء المبالغ به لمحادثات الذكاء الاصطناعي، تعلّق عبدالله قائلة: مع دخول ال ai، صرنا في عصر المعلومة المعلبة والسريعة، وطبعاً هذا الأمر سلاح ذو حدين. فالإيجابي يتمثّل في سرعة إنجاز المهام وأتمتتها وتقليل الأخطاء البشرية فيما يتعلق بالعمليات الحسابية والمالية وتوفير الوقت للقيام بمهام أخرى.
بينما الجانب السلبي، فيتمثل في اعتمادنا الكلي على هذه الأداة الذكية حتى في أبسط الأمور، ولم نعد نشغّل المحاكاة والمحاكمة العقلية والشعورية، لم نعد نحلل ونفكر ونستنتج الفكرة أو القرار المراد. لذا فإن الاعتماد الكلي على الذكاء الإصطناعي، يؤدي مع الوقت إلى ضعف الذاكرة والتركيز والتحليل والتفكير، لأننا أصبحنا لا نصدّق أنفسنا، بل نصدّق أداة جامدة خالية من المشاعر، تم تغذيتها بمدخلات متعددة المصادر لتعطينا حلولاً قد تصيب وقد تخطئ، كما افتقدنا إلى اللمسة الإبداعية الإنسانية.
و تتابع عبد الله: "للميديا ومنصات التواصل دور كبير في العزلة التي نعيشها، حيث استبدلت العلاقات الحقيقية بأصدقاء افتراضيين لا وجود لهم عند الحاجة إليهم، واليوم نشعر بأمان مطلق وقبول غير مشروط خلال الحديث مع ال "شات" فهو لا يحكم علينا، لا يوبخنا، لا يلومنا، لا يغير نظرته عنا نخبره بأسرارنا ومخاوفنا، نخبره بأفكارنا الغريبة وأمورنا التي نخجل منها، نخبره بنقاط ضعفنا التي نخاف أن نظهرها أمام أحد، و هذا بحد ذاته أحد اشكال التحرر العاطفي.
و تؤكد عبدالله أن الخوف من الأحكام هو الجذر الأساسي للهروب إلى شات جي بي تي، لأن لديه محاكاة تدغدغ مشاعرنا، فهو مثلا يخاطبنا بالقول أنا هنا لمساعدتك، أنا أفهمك، وبالرغم من انه أداة جامدة خوارزمية، إلا انه يخدع الجهاز العصبي، فيفرز هرمونات تخفف من حدة التوتر النفسي والقلق، ويمنح الدماغ إيحاء بأنه بجانبك.
اللجوء إلى شات جي بي تي يخفف الألم النفسي مؤقتاً، ويملأ فراغاً لحظياً، لكنه لن يمنحنا أبداً الدفئ الحقيقي والمشاعر الحقيقية التي لا يمكن الحصول عليها إلا من طرف آخر آدمي مثلنا.. فقط مثلنا.






