الربيع هو الفصل الذي تحتفي فيه المنازل السورية بأطباق من النباتات العشبية التي تنمو بشكل طبيعي في المناطق السورية المختلفة، ويمكن لأي سوري أن يعدد الكثير من الاطباق التي قد تتواجد في منطقة دون سواها من الأراضي السورية تبعاً لطبيعة النباتات التي تنمو في كل منطقة على حدة، ويمكن القول إن هذه الأطباق جزء من الموروث الشعبي السوري، لكن طبخة مثل "الخبيزة"، تعد جامعة للمطبخ السوري على اختلاف مناطقه.
ماذا يُطبخ؟
تقول السيدة أم أحمد في حديثها لـ "Syria One" إن من أهم المأكولات التي تميز مطبخ الساحل السوري عن سواه هي الأطباق المحضرة من النباتات العشبية، والتي يبدو أن الفقر هو الدافع الأساس لتحويلها إلى أطباق تطورت مع الزمن لتصبح جزء أصيل من مطبخ الساحل، ومنها على سبيل المثال "اللوف"، الذي قد يسبب تقطيعه حساسية في الجلد وحكة مزعجة، وله دون سواه من النباتات الطبيعية طريقة خاصة في الطبخ لكونه يكون ساماً أو يسبب مشاكل هضمية إذا لم يتم سلقه بشكل جيد، مع نبات آخر هو "الحميضة"، أو "السماق"، كما يوجد في حسابات مطبخ الساحل نباتات أخرى مثل "قرص عنة"، و "الهندباء"، اللذين يحضران على أنهما من أنواع السلطات، كما هناك نبات يعرف باسم "دعسة القطة"، أو "لبيس القط"، ينمو بشكل طبيعي في مناطق الساحل ويستخدم كحشوة لفطائر العجين، بعد مزجه مع البصل الناعم وزيت الزيتون، وهناك نباتات تعرف في طرطوس أكثر من غيرها من مناطق الساحل مثل "السليق – المقسيطة – السلبين"، وغالباً ما تكون طريقة التحضير من خلال "التقلاية"، مع البصل المفروم وزيت الزيتون.
ولن يكون غريباً أن تشاهد سيدة في أحد المسطحات العشبية في مدينة دمشق كمنصفات الطرقات أو حتى الحدائق العامة أو الأراضي المفتوحة في مناطق الريف، وهي تبحث بين الأعشاب عن النباتات التي يصلح أكلها، وتقول "أم علي"، لـ "Syria Ona"، إن النباتات الطبيعية وجبة لذيذة في فصل الربيع وقد يكون في إعدادها شيء من التوفير المادي في ظل ارتفاع الأسعار المستمر في الأسواق، فأن تطبخ "الخبيزة"، مرة في الأسبوع فإن ذلك يعني توفير في مصاريف عائلتي التي تتكون من ست أفراد وتحتاج يومياً إلى مبلغ لا يقل عن 75 ألف ليرة لتوفير سعر الوجبات الثلاث، وتشير السيدة التي تتحدر من القنيطرة إلى أن سكان الجنوب السوري يعرفون نباتات تصلح للطبخ لا تتواجد في مناطق أخرى من الأراضي السورية مثل "جنينة العصفورة - الشومر - الدرار"، والأخير مُر لكنه يحلو بعد غسله وعصره بشكل جيد، كما يستخدم نبات "البقلة"، كواحدة من حشوات فطائر العجين في الجنوب، فيما يعرف سكان الجنوب أيضا نبات "الفطاريش"، وهو من أنواع الفطر البري الذي يحضر كـ وجبة بعد "تقليته"، مع البصل بزيت الزيتون، إضافة إلى نباتات أخرى تؤكل إلى جانب الوجبات الأساسية بدون طبخها مثل "العصية – الرشاد".
وفي مناطق الشرق السوري هناك مجموعة من النباتات التي تميز المنطقة، مثل "القندريس"، الذي يعرفه المطبخ الكردي أكثر من سواه، إضافة إلى "القنيبرة"، التي تنمو على أطراف الأنهار مثل الفرات في دير الزور والخابور في محافظة الحسكة، إضافة إلى نبات "الكعوب"، الذي قد ينمو في مناطق أخرى من سوريا ويعرف باسم "العكوب"، كما يقوم سكان الجزيرة العليا (ريف الحسكة الشمالي)، بأكل ثمار الخرنوب، التي يتم التخلص من مرارة طعمها بفركها على سطح خشن الملمس قبل أن توضع في كيس مع حمض الليمون لتُضغط تحت وزن كبير حتى اليوم التالي، وتؤكل بعد إضافة الملح، كما إن نبات "القصّيب"، كما يسميه سكان المنطقة من العرب، يعرف لدى الكرد منهم باسم "قيفار"، وهو من النباتات التي تُقشّر أشواكها ليأكل بدون طهي.
لماذا يأكل السوريون الحشائش؟
يبدو الأمر مرتبطاً بفترات المجاعات التي ضربت الأراضي السورية في فترات زمنية متباعدة، ومنها على سبيل المثال العام 1915 والذي عرف باسم "عام الجراد"، نتيجة لغزو الأراضي الزراعية في سوريا من قبل الجراد الصحراوي، وهو عام يعرف أيضاً باسم "مجاعة الشام"، والذي تسبب به إضافة إلى الجراد قيام الوالي العثماني آنذاك "جمال باشا السفاح" بمصادرة كميات كبيرة من القمح والمواد الغذائية الأخرى لإطعام الجيش العثماني، وفي مثل هذه الأحوال سيكون من الطبيعي اللجوء إلى مصادر طبيعية للحصول على الغذاء.
وبمراجعة المصادر المفتوحة حول الأمر تاريخياً، يقول موقع diegobonetto الأسترالي المختص بدراسة أصناف النباتات، إن نبتة "الخبيزة" عرفت كمصدر غذائي مهم في القرن الثالث قبل الميلاد، وبدأ سكان حوض المتوسط بإعدادها مع البصل والزيت أو الأرز والبرغل، في بلدان مثل فلسطين واليونان وتركيا، ولعل الأحداث القاسية التي مرت بها مناطق بلاد الشام عبر الزمن أسهمت في ترسيخ "الخبيزة" وغيرها من الحشائش على قائمة الأطعمة الخاصة بـ الفقراء، وسيكون من الطبيعي أن تتحول المساحات العشبية لمكان يلجأ إليه السوريون مع اشتداد أزمات الفقر والبطالة وانخفاض القدرة الشرائية، للبحث عن الحشائش التي تسد رمقهم وتعيدهم إلى موروث مطبخ جداتهم.






