فن

الحلقة (1) من سلسلة "ماذا لو عاشوا؟".. ماذا لو عاش نهاد قلعي بيننا اليوم؟.. هل كان سيضحكنا أم يفضحنا؟

49
ماذا لو عاش نهاد قلعي بيننا اليوم؟ هل كان سيضحكنا أم يفضحنا؟عامر فؤاد عامر

نستدعي صاحب شخصيّة حسني البورظان في ذكرى رحيله 17 تشرين الأوّل/أكتوبر، لنسأل: ماذا كان سيفعل بكوميديا المنصّات، ونجوم الترند، وعالم يبدو أحياناً كأنّه كُتب على طريقة "صح النوم"؟


لنتخيّل أن نهاد قلعي لم يرحل العام 1993، فاستيقظ ذات صباح ليكتشف أن العالم الذي عرفه قد تغيّر تماماً. لا تلفزيون ينتظر موعد المسلسل، ولا جمهور يجلس أمام الشاشة في وقتٍ واحدٍ، ولا حاجة إلى الانتظار حتّى الحلقة التالية لمعرفة ما سيحدث. يكفي أن يفتح هاتفه، فيجد ملايين البشر يتحدّثون في الوقت نفسه، وكلّ واحد منهم مقتنع بأنه يملك الحقيقة كاملةً.


ماذا كان سيفعل صاحب حسني البورظان؟ هل كان سيكتب مسلسلاً جديداً، أم سيكتفي بمراقبة المشهد قبل قول جملته الشهيرة: "إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في البرازيل، يجب أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا"؟


ربّما كان سيضيف إليها: وإذا أردت أن تعرف ماذا يجري في البلد، فعليك أوّلاً أن تقرأ التعليقات، ثمّ تتأكد من أن التعليقات نفسها لم تصبح خبراً عاجلاً!


حسني البورظان في عصر الترند


لو عاش نهاد قلعي عصر المنصّات الرقميّة، لكان أمامه كنز كوميدي لا ينضب. تخيّلوا حسني البورظان يطلق قناةً خاصّةً، يتحدّث فيها عن الشؤون العامّة، ويحلل الأحداث بثقة الخبير الذي يعرف كلّ شيء، قبل اكتشافه في نهاية الحلقة أنه كان يتحدّث عن بلدٍ آخر!


لكن المشكلة أن حسني، في عصرنا، قد يصبح مؤثّراً ناجحاً بالفعل. يكفي رفعه حاجبيه، وقوله جملة غامضة، ويترك نصفها بلا تفسير، حتّى يتسابق المتابعون إلى تحليلها، وتظهر عشرات المقاطع التي تشرح ما لم يقصده أصلاً.


وقد يصبح لديه مدير أعمال، ومسؤول علاقاتٍ عامّة، وفريق متخصص في اختيار العناوين المثيرة. وربّما ينصحه أحدهم بالتوقف عن الكتابة الذكيّة، لأن الجمهور يريد الضحك خلال ثوانٍ، لا أن ينتظر حتّى تتكشف المفارقة في نهاية المشهد.


هنا تحديداً كان نهاد سيجد مادّته المفضّلة: عالم يطلب من الفنّان أن يكون عميقاً، شرط ألا يستغرق في التفكير أكثر من ثلاثين ثانية!


هل كان غوار سيصبح وزيراً؟


أمّا غوار الطوشة، شريكه الفنّي الأشهر، فربّما كان سيجد لنفسه مكاناً في عالم العلاقات العامّة، أو يترشّح لمنصب لا يعرف تماماً صلاحيّاته، لكنّه يعرف كيف يخاطب جمهوره.


ولنتخيّل لقاءً يجمع غوار بحسني أمام الكاميرات. يسأل حسني سؤالاً واضحاً، فيجيبه غوار بخطاب طويل عن أهمّيّة الحوار وضرورة تشكيل لجنة لدراسة السؤال، ثمّ يعلنان في نهاية اللقاء اتفاقهما على عقد اجتماع جديد لتحديد موعد الاجتماع المقبل.


سيضحك الجمهور، بالتأكيد، لكن الضحكة ستصبح أكثر مرارة عندما يكتشف أن هذا المشهد لا يحتاج إلى كاتب خيال؛ يكفي أن ننظر حولنا لنعرف كم من المواقف اليوميّة يبدو كأنه خرج من غرفة كتابة كوميديّة.


ومع ذلك، لا ينبغي تطوير شخصيّتي غوار وحسني إلى مفتاحٍ سحريٍّ لتفسير كلّ شيء. فنجاحهما لم يكن قائماً على السخرية من المسؤول أو الموظف أو صاحب الخطاب الكبير فحسب، بل على بناء شخصيّتين لهما منطقهما الخاصّ، وتناقضاتهما، وقدرتهما على إيقاع نفسيّهما في المآزق.


هل كان نهاد سينجو من مقصلة الترند؟


بكلّ جديّة أتساءل: هل كان نهاد قلعي سيجد مكاناً في سوق الكوميديا اليوم؟


لا أملك إجابة مؤكدة، ولا يمكن افتراض أن موهبة الأمس كانت ستضمن النجاح في شروط الإنتاج الحاليّة. فالموهبة وحدها لا تكفي دائماً، كما أن انتشار المقطع المصوّر لا يعني بالضرورة نجاح العمل الفنّي.


لكن تجربة نهاد تستحق أن تُقرأ في ضوء ما نفتقده أحياناً في الكوميديا المعاصرة؛ فهو الكاتب الذي يبني شخصيّة تستمر، لا نكتة تنتهي صلاحيّتها بانتهاء تداولها؛ والممثّل الذي يعرف كيف يصنع الضحك من إيقاع الجملة، ونظرة العين، والتناقض الداخلي، لا من رفع الصوت أو المبالغة في الحركة.


لقد شارك نهاد في كتابة أعمال مثل "مقالب غوار"، و"حمام الهنا" و"صح النوم" و"ملح وسكر"، ولم يكن وجهاً كوميدياً يقف أمام الكاميرا فقط. بل كان أحد صنّاع العالم الذي تتحرّك فيه الشخصيّات، وهو ما يجعل استعادة تجربته اليوم أبعد من استعادة زمن تلفزيوني قديم.


الضحكة التي تكشفنا


لا نحتاج حين نتذكر نهاد قلعي، إلى الادعاء بأنّ الماضي كان أجمل، أو أن الكوميديا ماتت بعده. نحتاج إلى سؤال أكثر إنصافاً: لماذا بقيت شخصيّاته قادرة على ملامسة جمهور لم يعاصر زمن إنتاجها، بينما تنتهي صلاحيّة شخصيّاتٍ أخرى فور انتهاء عرضها؟


ربّما لأن نهاد لم يكن يطلب منّا الضحك من الآخرين فقط، بل كان يضعنا، من دون شعورنا، أمام تناقضاتنا نحن. وهذا هو الاختبار الأصعب لأيّ كوميديا؛ جعل المشاهد يضحك، ثمّ يكتشف بعد لحظة أنه كان يضحك على نفسه.


فلو عاش نهاد قلعي بيننا اليوم، ربّما كان سيطلق قناة، أو يكتب مسلسلاً للمنصّات، أو يرفض اختصار شخصيّاته في مقاطع سريعة. وربّما كان سيكتشف أن حسني البورظان يستطيع أن يصبح نجماً في كلّ العصور، شرط أن يجد كاتباً يمنحه حكاية تستحق أن تُروى.


أمّا نحن، فربّما كنّا سنضحك كثيراً، ثمّ نختلف على معنى النكتة، ونشكك في نيّات كاتبها، ونطالب بتوضيح رسمي، قبل اكتشاف أن حسني كان يقصدنا جميعاً.


وهنا يبقى السؤال: لو عاد نهاد قلعي اليوم، هل كان سيضحكنا كما فعل دائماً، أم كان سيجعلنا نضحك أوّلاً، ثمّ يتركنا نكتشف أننا نحن النكتة؟


مقالات ذات صلة

"كل عار وأنتم بخير".. الأخوان ملص يعيدان مسرح الغرفة إلى دمشق من بوابة المقاهي

"كل عار وأنتم بخير".. الأخوان ملص يعيدان مسرح الغرفة إلى دمشق من بوابة المقاهي

من مساحة لا تتجاوز غرفة صغيرة إلى مقهى الروضة في العاصمة السورية.. تجربة مسرحية تبحث عن الحرية وتكسر المسافة التقليدية بين الممثل والجمهور
52
ريال مدريد يواصل سلسلة انتصاراته بفوز ضد راسينغ سانتاندير بالدوري الإسباني

ريال مدريد يواصل سلسلة انتصاراته بفوز ضد راسينغ سانتاندير بالدوري الإسباني

واصل ريال مدريد سلسلة انتصاراته، وحقق فوزه الثامن على التوالي في مختلف البطولات، وذلك بتغلبه على مضيفه راسينغ سانتاندير بنتيجة (3-0) ضمن منافسات الجولة الحادية عشرة من الدوري الإسباني.
134
الفنان محمد فؤاد يكشف عن اقتراب عودته إلى  السينما بعد غياب 11 عاما

الفنان محمد فؤاد يكشف عن اقتراب عودته إلى  السينما بعد غياب 11 عاما

كشف الفنان المصري محمد فؤاد عن اقتراب عودته إلى  السينما بعد غياب استمر 11 عاما، معلنًا امتلاكه مشروعين سينمائيين جديدين يدرس المفاضلة بينهما، بالتزامن مع استعداده لطرح ألبوم غنائي جديد
232
هايدي كلوم تثير الرعب.. يد مبتورة في الهالوين

هايدي كلوم تثير الرعب.. يد مبتورة في الهالوين

صدمت عارضة الأزياء الألمانية هايدي كلوم الحضور بظهور كابوسي مروع خلال احتفالها السنوي بعيد الهالوين، متجاوزة حدود المألوف بارتداء زي يحاكي يداً بشرية مبتورة تنضح بالدماء، وذلك في اليوبيل الفضي لحفلها الشهير بنسخته الخامسة والعشرين.
216
أحدث ظهور.. سليم صبري وفراس إبراهيم وصورة تشعل تفاعلا واسعا

أحدث ظهور.. سليم صبري وفراس إبراهيم وصورة تشعل تفاعلا واسعا

حقق أحدث ظهور للفنان السوري الشهير سليم صبري برفقة الفنان فراس إبراهيم تفاعلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرته موجة من التعليقات الإيجابية التي استذكرت مسيرة الفنانين.
225
سيرياون إعلان 7