لم يتعامل خبراء الاقتصاد في سوريا مع خبر إطلاق منصة إلكترونية لتنظيم سوق الصرف بوصفه خطوة تقنية عابرة، بل رأى عدد منهم أنه علامة على تغيّر عميق في فلسفة إدارة السياسة النقدية في بلد أنهكته تعددية الأسعار وتشوهات السوق.
يشير الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة خلال حديثه مع موقع Syria one عن هذه المنصة إلى أنها ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات في إدارة سوق القطع، فآلية الضخ المباشر للدولار، التي اعتمد عليها المصرف المركزي لسنوات، لم تعد قادرة على ضبط السعر.
وهنا يذكّر بأن الدولار الذي كان يُضخ عبر المصارف كان يجد طريقه سريعاً إلى المضاربين أو يُسحب نحو السوق السوداء، ما جعل أي تدخل رسمي أشبه بمحاولة إطفاء حريق باليدين العاريتين، ومن هنا، برزت الحاجة إلى سوق شفافة تُظهر السعر الحقيقي بدلاً من مطاردة أسعار متعددة تتغير كل ساعة.
وتوقف الخبير عند ملف التحويلات الخارجية، الذي يشكّل شرياناً أساسياً للعملة الصعبة في سوريا، فالمغتربون، الذين يرسلون مليارات الدولارات سنوياً، يفضّلون السوق الموازية بسبب الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء.
وتعد المنصة، كما يراها د. محمد، محاولة لاستعادة هذه التدفقات عبر خلق سعر جاذب يمر عبر القنوات الرسمية، وهو ما قد ينعش خزينة الدولة ويعيد التوازن إلى السوق.
لكن الجانب الأكثر حساسية في رأيه هو كسر احتكار المعلومات، فالسعر في سوريا لم يكن مجرد رقم، بل أداة قوة بيد كبار الصرافين والتجار، هؤلاء كانوا يتحكمون بمعلومة السعر ويعيدون تشكيل السوق وفق مصالحهم، وبرأيه فإن المنصة، إذا عملت بشفافية كاملة، ستسحب هذه الورقة من أيديهم وتحوّل السعر إلى معلومة علنية لحظية، ما يغيّر قواعد اللعبة جذرياً.
ورغم كل ذلك، لا يرى الخبير في تحليله عبر Syria one أن المنصة ستقضي على السوق السوداء فوراً، فالسوق الموازية، كما يصفها، ليست مجرد نشاط غير رسمي، بل منظومة متجذّرة نشأت نتيجة غياب الثقة وضعف السيولة، ومع ذلك، يمكن للمنصة أن تقلّص دورها وتحصرها في نطاق ضيق إذا استطاع المصرف المركزي توفير سيولة حقيقية من الدولار، عندها، سيتحوّل دور السوق السوداء من "المسعّر الأساسي" إلى مجرد سوق هوامش.
الطريق ليس سهلاً
تحدث د. محمد عن تحديات تقنية كبيرة تواجه "مشوار المنصة"، بدءاً من تحديث البنية التحتية المصرفية وربطها بشبكة لحظية، وصولاً إلى تأمين حماية سيبرانية عالية المستوى، كما يبرز تحدٍ مالي جوهري وسؤال مهم: هل يمتلك المصرف المركزي احتياطيات كافية ليكون صانع السوق الحقيقي على المنصة؟
لذا يرى أن غياب السيولة سيقوّض المشروع منذ لحظته الأولى، أما التحدي الأكبر، كما يصفه، فهو التحدي السلوكي، فالمتعامل السوري فقد ثقته بالمؤسسات الرسمية نتيجة سنوات من التثبيت الإداري والتدخلات المفاجئة، وبناء الثقة يحتاج وقتاً واستقراراً وشفافية مطلقة في نشر بيانات التداول، من حجم العمليات إلى أسعار الافتتاح والإغلاق.
ويشير الخبير إلى أن نجاح المنصة مرهون أيضاً بإلزام شركات الصرافة والمصارف بالربط معها، فالربط الاختياري سيُبقي الباب مفتوحاً أمام غرف عمليات خاصة لدى كبار التجار، ما يعيد إنتاج السوق الثنائية، لكن الإلزام يجب أن يأتي بعد التأكد من الجاهزية التقنية، لأن منصة بطيئة أو كثيرة الأعطال قد تشل القطاع المالي بأكمله.
في ختام حديثه، يشير د. محمد إلى أن المنصة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من اقتصاد قائم على الضبط الإداري إلى اقتصاد سوق منظم، فإذا توفرت لها الشروط التقنية والمالية والتشريعية، فقد تشكّل نقطة تحول تاريخية في إدارة سوق الصرف في سوريا، أما إذا أُطلقت دون استعداد كافٍ، فقد تخلق سوقاً سوداء جديدة خارج إطارها، وتعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.






