لم يعد الغش في الأسواق السورية مجرد تجاوزات عابرة، بل تحول إلى ظاهرة تعتمد على أساليب كيميائية وتقنية متطورة تطال السلع الغذائية والمنظفات ومواد التجميل، وأمام هذا الواقع المتردي الذي يستغل حاجة المستهلك للمواد رخيصة السعر، تبرز تحديات عدة في ضبط التلاعب وحماية السلامة العامة.
وفي هذا السياق، يؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك، والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة في حديث لـ Syria One أن ظاهرة الغش تشهد توسعاً ملحوظاً وتطوراً خطيراً في أساليبها، مستهدفةً السلع الأساسية ومشكّلةً خطراً مباشراً على صحة المواطنين وسلامتهم.
ويعيد حبزة أسباب انتشار هذه الظاهرة، إلى عاملين رئيسيين، أولهما انخفاض القدرة الشرائية التي جعلت المستهلك يبحث عن السلعة الأرخص سعراً بغض النظر عن جودتها، وثانيهما تطور الأساليب الكيميائية والتقنية التي تعتمد على التلاعب بالطعم، والرائحة، والملمس، والألوان، مما يجعل كشفها بالعين المجردة أمراً بالغ الصعوبة.
ويوضح حبزة، أن قطاع المواد الغذائية يحظى بالتركيز الأكبر نظراً لخطورته، حيث تُرصد نسب غش عالية في مواسـم وسلع أساسية، فمثلاً في موسم المكدوس، يتم غش الفليفلة المطحونة بإضافة الجزر إليها، وتُستخدم ملونات غير صحية لإعطاء المخللات ألواناً زاهية ومضللة، كما يتعرض زيت الزيتون لعمليات تلاعب يصعب كشفها مخبرياً إذا لم تتجاوز حداً معيناً نظراً لتشابه المصدر النباتي، فضلاً عن إضافة منكهات وملونات للزيت النباتي العادي لبيعه كزيت بلدي، وتحويل السمن المهدرج إلى سمن بلدي عبر المضافات والمطيبات، وفيما يخص قطاع الألبان والأجبان، يلجأ بعض المتلاعبين، بحسب حبزة، إلى "نزع الدسم الحيواني من القشطة والحليب واستبداله بسمن مهدرج، مع إضافة الماء والنشا للبن لمنحه قواماً متماسكاً، علماً أن القانون يحظر تماماً وجود السمن النباتي داخل المحلات التي تبيع المنتجات الحيوانية منعاً للخلط، ويلزم أصحاب المحلات بالإعلان بخط عريض عن نوع السمن المستخدم".
وأشار إلى أن الغش يطال أيضاً المواد المطحونة كالزعتر والفلفل التي تُخلط بمواد رخيصة لزيادة الوزن، وسط مخاوف من تلاعب بعض المحامص عبر طحن الأقماح وخلطها مع البن بعد التحميص، وهو أمر محظور قانوناً، مضيفاً: "ويمتد التلاعب إلى قطاع الحلويات والتمر، حيث رصدت الجمعية قيام بعض التجار في مناطق كـ عربين وغيرها، بغسل كميات كبيرة من التمور المصابة بالسوس والحشرات، وإعادة تجفيفها وتعبئتها في علب صغيرة تحت ماركات مزورة لتحقيق أرباح طائلة، إلى جانب (العجوة المطحونة) السيئة لاستخدامها في المعجنات والحلويات".
وعبّر حبزة عن قلق جمعية حماية المستهلك، من انتشار ما يُعرف بـ "أشباه الأجبان والألبان" في الأسواق، مشدداً على وجوب كتابة هذا المسمى بخط عريض على العبوات منعاً لالتباس الأمر، مؤكداً أن الجمعية تفضل منع وجود هذه المواد نهائياً في الأسواق لخلوها من القيمة الغذائية وأضرارها على الأطفال رغم رخص سعرها.
مخاطر كيميائية تهدد الصحة!
ولا يقتصر الغش على الغذاء، بل يمتد بوضوح إلى قطاع الكيماويات والمنظفات، حيث يشير حبزة إلى "تراجع المادة الفعالة في المنظفات من النسبة القياسية 12% إلى 10%، وصولاً إلى حالات رصدت فيها الجمعية نسباً تدنت إلى 6% وأقل، مع تعويض الفارق بإضافة الملح والصود الكاوي المؤذي للبشرة، في حين تنتشر ورشات غير مرخصة ومخفية تنتج منظفات تُباع فرطاً أو على الأرصفة، وتتعامل بشكل خطير مع عمال النظافة لشراء عبوات الشامبو وسوائل الغسيل الفارغة، لتقوم بغسلها وإعادة تعبئتها بمواد مركبة محلياً ومجهولة المواصفات ثم بيعها بالاعتماد على الماركة الأصلية المطبوعة، ناهيك عن التلاعب بمعجون الأسنان وتعبئة عبوات ناقصة تصل إلى نصفها، وانتشار مستحضرات تجميل مجهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تسبب حروقاً وتشوهات في الوجه والشعر، ويستعين مروجوها بتقنيات الذكاء الاصطناعي لدبلجة أصوات مشاهير أو علماء لإقناع المواطنين بجودتها".
وفيما يتعلق بالدور الرقابي، يبين حبزة أن دوريات التموين والجهات الحكومية تبذل جهوداً عبر الجولات الرقابية، إلا أنها لا تستطيع ضبط الأسواق بالكامل نظراً لأن المساحة الجغرافية الكبيرة للبلاد لا تتناسب مع العدد الحالي للعناصر الرقابية، متابعاً: "وتعمل جمعية حماية المستهلك كطرف رديف لوزارات التجارة الداخلية، والصحة، والصناعة، حيث توثق المخالفات بالصور والحالات الملموسة، وتشارك المعلومات مع الوزارات حول أماكن الخلل التي يتركز معظمها في الأسواق الشعبية والورشات المخفية البعيدة عن عين الرقابة، كما تشتري الجمعية عينات من الأسواق على نفقتها الخاصة كعمل تطوعي لإرسالها وتحليلها للتأكد من مطابقتها، وتوجه الجمعية نصائح وتحذيرات مستمرة للمواطنين بضرورة الامتناع عن الشراء من الأرصفة أو الصفحات غير الموثوقة، واشتراط السلع المختومة والمغلفة من محلات تجارية ثابتة، مع التدقيق في بيانات الصلاحية والوزن، وتناشد المستهلكين تخريب عبوات الشامبو والمنظفات الفارغة فور الانتهاء منها وثقبها أو كسر أغطيتها، لقطع الطريق على الورشات المخفية التي تعيد تعبئتها وطرحها مجدداً في الأسواق".






