سياسي

من بكين إلى واشنطن هل بدأت ساعة "فخ ثوسيديدس" تدق؟

114
من بكين إلى واشنطن هل بدأت ساعة "فخ ثوسيديدس" تدق؟

بينما كانت ألسنة النار تتصاعد فوق الشرق الأوسط مع اتساع تداعيات الحرب على إيران، كانت العيون تتجه نحو بكين أيضاً، وبينما جمر المفاوضات تتقد تحت الرماد حيث جلس الزعيمان الصيني والأمريكي على طاولة واحدة يحمل كل منهما تصوراً مختلفاً لشكل العالم القادم.


قمة أمريكية صينية بدت في ظاهرها محاولة لاحتواء الخلافات التقليدية بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم، لكنها في عمقها حملت ما هو أخطر بكثير، فرشحت عن اعتراف ضمني بأن العالم يقف على حافة صراع تاريخي قد يعيد تشكيل النظام الدولي بالكامل.


في اللحظة التي كان فيها كثيرون ينتظرون تصريحات عن تايوان أو الرسوم الجمركية أو الحرب الإيرانية، فاجأ "شي" الحضور باستدعاء حرب يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام وهي الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة.


لم يكن ذلك استعراضاً ثقافياً أو خطاباً فلسفياً عابراً، بل رسالة استراتيجية مشفرة بلغة التاريخ، فحين تساءل الرئيس الصيني عمّا إذا كانت الصين والولايات المتحدة قادرتين على تجاوز "فخ ثوسيديدس"، كان في الواقع يضع العالم أمام أكثر السيناريوهات رعباً في الجغرافيا السياسية الحديثة وهي الحرب الناتجة عن صعود قوة جديدة تهدد عرش القوة المهيمنة.


ذلك المفهوم الذي صاغه المؤرخ اليوناني ثوسيديدس قبل قرون، يقوم على فكرة بسيطة لكنها مرعبة مفادها أنه حين تصعد قوة جديدة، تشعر القوة القائمة بالخوف، وعندها تصبح الحرب شبه حتمية، فاليوم تبدو الصين في موقع "أثينا" الصاعدة بسرعة مذهلة، بينما تبدو الولايات المتحدة في موقع "إسبرطة" التي ترى نفوذها العالمي يتعرض لأول اختبار وجودي منذ نهاية الحرب الباردة.


ورغم اللغة الدبلوماسية الناعمة التي غلفت القمة، فإن الرسائل الحقيقية ظهرت في ملف تايوان، فبكين تدرك أن الجزيرة ليست مجرد خلاف حدودي، بل خط أحمر سيادي يمس شرعية الدولة الصينية نفسها، أما واشنطن فترى في تايوان آخر خطوط الدفاع عن نفوذها في المحيط الهادئ.


لهذا لم يكن تحذير شي لترامب من أي خطوات غير محسوبة مجرد تنبيه سياسي، بل إنذار استراتيجي يحمل في داخله معنى واضحاً يقول إن أي خطأ في تايوان قد يدفع أكبر قوتين نوويتين في العالم إلى مواجهة مباشرة، والخطير في الأمر أن الحرب على إيران أعادت إحياء سؤال أكبر داخل دوائر القرار في واشنطن وبكين معاً، هل يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف أمريكية تمنح الصين فرصة لتوسيع نفوذها العالمي؟ أم أن التصعيد العالمي سيدفع واشنطن إلى تشديد قبضتها على آسيا قبل فوات الأوان؟


ورغم الأجواء المتوترة، بدا أن الطرفين يحاولان الهروب من السيناريو الكارثي فالزعيم الصيني تحدث عن الاستقرار الاستراتيجي البناء، وهي عبارة تحمل مضموناً بالغ الأهمية حول إدارة الصراع بدلاً من الانفجار به، أما ترامب فاختار لغة أقل صدامية من المعتاد، واصفاً المباحثات بأنها إيجابية وبناءة، في إشارة تعكس إدراكاً متزايداً داخل واشنطن بأن احتواء الصين بالقوة وحدها قد لم يعد ممكناً.


لكن خلف هذه العبارات الهادئة تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً، فالبَلدان لا يثقان ببعضهما، وكل تحرك عسكري أمريكي في آسيا تراه بكين محاولة حصار، وكل توسع اقتصادي أو عسكري صيني تعتبره واشنطن مشروعاً لإزاحتها من قيادة العالم، وهنا تحديداً يكمن "فخ ثوسيديدس" ليس في النوايا المعلنة بل في الخوف المتبادل.


ربما نجحت قمة بكين في تأجيل الانفجار، لكنها لم تُلغِ أسبابه، فالتنافس على التكنولوجيا، والاقتصاد، والطاقة، والممرات البحرية، والنفوذ العسكري، بات أعمق من أن تعالجه بيانات دبلوماسية أو ابتسامات أمام الكاميرات.


ومع احتدام الأزمات العالمية، يبدو أن السؤال الذي طرحه شي جين بينغ لم يعد سؤالاً نظرياً يخص الصين وأمريكا وحدهما، بل سؤالاً يخص العالم بأسره، هل تستطيع القوى الكبرى كسر لعنة التاريخ أم أن البشرية تقترب من إعادة إنتاج الحرب البيلوبونيسية بنسخة نووية حديثة؟


مقالات ذات صلة

الناتو سيبرم عقودا جديدة لتعزيز قدراته الدفاعية

الناتو سيبرم عقودا جديدة لتعزيز قدراته الدفاعية

تعهد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو مارك روته، اليوم الإثنين، بأن يبرم الحلف عقوداً جديدة بقيمة عشرات مليارات الدولارات، في إطار جهوده لتعزيز قدراته الدفاعية
7
ماكرون يصل إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة

ماكرون يصل إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع الرئاسة أواخر عام 2024 بعد سقوط النظام السابق، بحسب وكالة فرانس برس
10
هل يلتقي ترامب الشرع في أنقرة؟ وهل تُفتح صفحة جديدة في معادلات الشرق الأوسط؟

هل يلتقي ترامب الشرع في أنقرة؟ وهل تُفتح صفحة جديدة في معادلات الشرق الأوسط؟

قال مسؤول أميركي كبير أمس إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تستضيفها تركيا هذا الأسبوع
30
بريطانيا تشدد القواعد المتعلقة بتلقي التبرعات السياسية من الخارج

بريطانيا تشدد القواعد المتعلقة بتلقي التبرعات السياسية من الخارج

شدّدت بريطانيا القواعد المتعلقة بتلقي التبرعات السياسية من الخارج، في إطار جهودها الرامية إلى منع تأثير الأموال ‏الأجنبية على المنظومة السياسية والانتخابية
46
عدد ضحايا زلزالي فنزويلا يرتفع إلى أكثر من 3342 وفاة وآلاف إلاصابات والمفقودين

عدد ضحايا زلزالي فنزويلا يرتفع إلى أكثر من 3342 وفاة وآلاف إلاصابات والمفقودين

ارتفع عدد ضحايا الزلزالين المدمرين اللذين ضربا فنزويلا في 24 حزيران الماضي إلى أكثر من 3342 وفاة، وفق أحدث البيانات الرسمية
131
سيرياون إعلان 7