لم يعد الجدل في الحسكة يقتصر على قصة إنزال راية القصر العدلي أو تركيب راية أخرى، وما رافق ذلك من مشاهد أثارت الكثير من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت يبدو فيه أن بعض الشباب "الثوريين" لم يدركوا بعد أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاندماج وتجاوز مظاهر الانقسام.
خلف هذه المشاهد، هناك قضية أكثر أهمية تمس حياة الناس اليومية وحقوقهم ومصالحهم، تتمثل في استمرار توقف العمل في القصر العدلي في الحسكة.
فمنذ التغيرات التي شهدتها البلاد، وسيطرة قوات سورية الديمقراطية على ما تبقى من مدينة الحسكة، أو ما كان يعرف بـ"المربع الأمني"، كانت الدوائر الحكومية الموجودة في المنطقة تؤمن، إلى حد ما، تسيير شؤون المواطنين ومعاملاتهم، قبل أن يؤدي توقف العمل القضائي إلى فراغ ترك آثاره المباشرة على حياة الأهالي.
اليوم، يضطر المواطن الحسكاوي إلى السفر إلى دير الزور أو دمشق أو محافظات أخرى لإنجاز معاملات قانونية وقضائية بسيطة، من تسجيل بعض الوقائع المدنية، وإخراج القيود، والمعاملات الشرعية، والوكالات، وصولاً إلى البيوع والقضايا الجزائية والشكاوى.
ولا تتوقف المعاناة عند مشقة السفر وتكاليفه، إذ فتح غياب المؤسسة القضائية داخل المحافظة الباب أمام مزيد من الاعتماد على معقبي المعاملات، وما يرافق ذلك من أعباء مالية وإجراءات معقدة يتحملها المواطن الذي لا يبحث عن انتصار لطرف على آخر، وإنما عن عودة مؤسسات الدولة التي تنظم حياته وتحمي حقوقه.
وتكتسب المشكلة أهمية أكبر في محافظة تضم أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، من مختلف القوميات والأديان والمكونات، حيث لا يمكن أن تستمر الحياة الاقتصادية والاجتماعية بصورة طبيعية في ظل غياب مؤسسة قضائية تقوم بتوثيق الملكيات والعقود والبيوع ومعالجة النزاعات والشكاوى.
كيف يجري العمل القضائي حالياً؟
وللوقوف على واقع العمل القانوني والقضائي خلال الأشهر الماضية، التقى موقع Syria One المحامي هادي زهير حلواني، الذي تحدث عن الصعوبات التي يواجهها المحامون والمواطنون في ظل استمرار توقف العمل في القصر العدلي.
يقول حلواني إن المحامين يحاولون تدبير أمورهم من خلال محافظة دير الزور، حيث قامت وزارة العدل بتأمين مناوبات قضائية هناك لمدة يومين في الأسبوع، تضم قاضياً ومساعداً شرعياً وكاتب عدل وممثلاً عن النيابة العامة.
أما في بقية أيام الأسبوع، فيستمر جزء من العمل من خلال مكاتب بعض المحامين، حيث تتم متابعة المعاملات الشرعية وتنظيم الوكالات، بينما تضطر معاملات أخرى إلى الانتقال إلى دير الزور أو محافظات أخرى بحسب طبيعة المعاملة.
معاملات بسيطة تتحول إلى رحلة سفر
ويشير حلواني إلى أن الصعوبات التي تواجه المواطنين والمحامين متعددة، موضحاً أن بعض المعاملات، مثل استخراج القيد، تستوجب السفر إلى أقرب محافظة لإنجازها.
أما في القضايا الجزائية والشكاوى، فالأمر أكثر تعقيداً، إذ يضطر أصحاب الحقوق إلى مراجعة الجهات القضائية خارج المحافظة.
ويضيف أن البيوع العقارية متوقفة عملياً، في حين يقتصر عمل المحامين في بعض الحالات على تنظيم العقود، وهو إجراء لا يحل المشكلة كاملة، لأن العقد وحده لا يكفي، إذ ينبغي أن يتم تسجيل الواقعة في الصحيفة العقارية وفق الأصول القانونية.
ويؤكد أن استمرار هذا الوضع ينعكس بصورة مباشرة على الحركة الاقتصادية في المحافظة، ولا سيما أن معاملات البيع والشراء وتسجيل الملكيات والتوكيلات والقضايا المرتبطة بها تشكل جزءاً أساسياً من دورة الحياة الاقتصادية.
استمرار الإغلاق يعني ضياع الحقوق
المحامون في الحسكة ينظرون إلى المسألة ليس باعتبارها مجرد مشكلة إدارية أو تأخيراً في إنجاز المعاملات، بل باعتبارها قضية تتصل مباشرة بحقوق المواطنين.
فكل يوم يمر من دون عودة العمل المنتظم في القصر العدلي يعني مزيداً من المعاملات المؤجلة، ومزيداً من السفر والنفقات، ومزيداً من الاعتماد على الوسطاء ومعقبي المعاملات، فضلاً عن تأخر الفصل في الشكاوى والقضايا والنزاعات.
وبينما ينشغل الشارع أحياناً بتفاصيل الرايات التي تُرفع فوق المباني الحكومية، يبقى المواطن منشغلاً بما هو أكثر التصاقاً بحياته: كيف يسجل بيته؟ كيف ينجز وكالة؟ كيف يحصل على قيد؟ أين يقدم شكواه؟ وأين يحصل على حقه؟
لا تبدو عودة العمل إلى القصر العدلي في الحسكة مطلباً لفئة أو جهة، بقدر ما تبدو حاجة يومية لمواطنين يريدون مؤسسة قضائية تعمل داخل محافظتهم، وتحفظ حقوقهم، وتعيد إلى عجلة الحياة القانونية والاقتصادية مسارها الطبيعي.






