تتداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا عقب القرارات الأخيرة الصادرة عن «اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية»، والتي قفزت بأسعار المشتقات النفطية إلى مستويات قياسية.
ومع خروج مصفاة بانياس للصيانة وتصاعد تكاليف الاستيراد، تتجه الأنظار نحو الانعكاسات المتسلسلة لهذا القرار على أجور النقل، وكلف الإنتاج الزراعي والصناعي، وصولاً إلى القدرة الشرائية للمواطن الذي بات يُواجه موجة تضخمية جديدة تُثقل كاهله.
وفي تصريح خاص لـ Syria One، أكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية م. باسل كويفي أن قرار رفع أسعار المشتقات النفطية يشكل خطوة معقدة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية المحلية مع التحولات الإقليمية والتوازنات المالية الحكومية، مشدداً على أن الإجراءات الحالية تزيد من معدلات الفقر وتوسع الفجوة المعيشية لعدم تماشيها إطلاقاً مع مستوى الدخل الفعلي.
تحديات سلاسل التوريد وضغوط الموازنة
أوضح كويفي لـ Syria One أن القرار الحكومي أتى نتاج تقاطع عدة عوامل ضاغطة، في مقدمتها تراجع المعروض وانقطاع وتذبذب الإمدادات بسب التوترات في المضائق البحرية وسلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى انخفاض الإمدادات المحلية المؤقت نتيجة أعمال الصيانة والتكرير.
وأشار كويفي إلى أن الاعتماد المتزايد على استيراد المشتقات النفطية المسعّرة بالعملات الأجنبية ألقى بظلاله على المالية العامة، مما دفع الجهات الحكومية لمحاولة تقليص عجز الخزينة المتراكم والحد من ديون قطاع الطاقة، غير أن هذه المعالجة المالية المباشرة تحمل في طياتها كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة.
تعديل التعرفة.. موجة تضخمية تطال النقل والإنتاج
وفي متابعة ميدانية لتبعات القرار على قطاع المواصلات، كشف مدير فرع المؤسسة العامة لنقل الركاب في دمشق وريفها أنه يعكف حالياً على إعداد دراسة متكاملة لإعادة تحديد تعرفة وسائل النقل، حيث ترى الدراسة ضرورة رفع تعرفة السرافيس والباصات في دمشق وريفها بمعدل يتراوح بين 20 إلى 25 ليرة سورية، وذلك استجابة لارتفاع سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة سورية.
وحول هذه التطورات المتسارعة، حذر الباحث باسل كويفي عبر Syria One من سلسلة الانعكاسات المباشرة لارتفاع الوقود، موضحاً أن التأثير لن يقف عند حدود أجور الركب والبضائع، بل سيمتد فورياً لرفع كلف تشغيل الآلات الزراعية والشركات الصناعية ومولدات الكهرباء، مما يعني موجة تضخمية شاملة تُضعف قدرة المواطن على تغطية أدنى احتياجاته الأساسية.
فجوة الدخل والقدرة الشرائية
وفي إجابته عن مدى ملاءمة هذه التعديلات للواقع المعيشي، جزم كويفي لـ Syria One بأن هذه الإجراءات لا تتماشى إطلاقاً مع مستوى الدخل الفعلي للغالبية العظمى من المواطنين.
وأضاف أن الأجور والرواتب المتوسطة في القطاعين العام والخاص باتت عاجزة عن تغطية التكاليف الحيوية للأسرة، بدءاً من كلفة التنقل اليومي والتدفئة والتعليم والصحة، وصولاً إلى الحد الأدنى من السلة الغذائية، وهو ما يهدد بانزلاق شرائح جديدة نحو الفقر الشديد.
الحلول البديلة والتعافي الاقتصادي
وعن سبل الخروج من هذه الحلقة المفرغة، قدم الباحث الاقتصادي والسياسي باسل كويفي عبر Syria One رؤية متكاملة للحلول البديلة، مؤكداً أن أولى الخيارات تكمن في تفعيل شبكات الحماية الاجتماعية عبر الانتقال نحو الدعم النقدي المباشر الموجه للأسر الأكثر احتياجاً لتخفيف صدمة الأسعار وبدائل الدعم السلعي المهدور، كما يبرز التحول التدريجي نحو مصادر الطاقة البديلة، كالشمسية والريحية، كضرورة قصوى لتوليد الكهرباء وتشغيل المضخات الزراعية وتقليل الاستهلاك المباشر للديزل، يرافقها إعادة توجيه الموارد المالية وترشيد الإنفاق لدعم قطاعات الإنتاج الأولية من زراعة وصناعات حرفية، وختم كويفي بتأكيد أهمية إعادة هيكلة قطاع النقل من خلال إيجاد شبكات نقل عام جماعي صديقة للبيئة وتستوعب أعداداً كبيرة لتقليل الاعتماد على وسائل النقل الخاصة، مع التوجّه نحو تشجيع الآليات الهجينة واستبدال السيارات القديمة المستهلكة للوقود ببدائل أكثر كفاءة وأقل تلوثاً.






