في مشهد قانوني وسياسي يتسم بالحساسية والتغيّر، أضافت نقابة المحامين في سوريا المادة 78 من قانون تنظيم مهنة المحاماة إلى البطاقة النقابية، والتي تنص على منع توقيف المحامي أو تفتيشه أو استجوابه دون إبلاغ مجلس الفرع، وذلك في محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة بين المحامي والسلطة الأمنية.
خطوة تبدو للوهلة الأولى بسيطة من حيث الشكل، لكنها تحمل في مضمونها رسائل تتجاوز الورق والحبر، وتلامس جوهر استقلالية المهنة وكرامة حاملها.
ففي بلد لطالما شكّل فيه الاحتكاك بين المحامين والأجهزة الأمنية مساحة توتر قابلة للاشتعال، تأتي هذه الإضافة لتعيد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تعزيز فعلي لحصانة المحامي، أم أمام إجراء بروتوكولي جديد يضاف إلى سلسلة قرارات لم تجد طريقها إلى التطبيق؟
بين التفاؤل الحذر والشك المشروع، تتباين الآراء حول قدرة هذه الخطوة على إحداث تغيير حقيقي، وللاقتراب أكثر من المشهد، كان لـ Syria One هذا الحوار مع المحامي زين درغام، الذي قدّم قراءة قانونية وواقعية لما قد تحمله البطاقة الجديدة من تأثيرات وتحديات.
إجراء جديد أم معالجة تجاوزات؟
يرى درغام أن إصدار البطاقة الجديدة يأتي في إطار ما وصفه بـ "إجراءات جديدة ضمن سلسلة التغييرات التي تتخذها حكومة السلطة الجديدة بعد توليها"، موضحاً أن الهدف الأساسي هو إضفاء طابع قانوني أوضح على أي إجراء أمني يُتخذ بحق المحامي.
ما يعني أن هذه الخطوة لا تمثل بالضرورة وجود تجاوزات حديثة، بقدر ما تعكس رغبة في تنظيم العلاقة بين المحامي والجهات الأمنية.
هل ستُطبّق فعلياً؟
رغم أهمية الخطوة، يبدي درغام حذراً في تقييم إمكانية تطبيقها على أرض الواقع، قائلاً:
"هي قاعدة أصولية في قانون تنظيم مهنة المحاماة وليست مستحدثة، وإنما أُظهرت كتذكير فقط. لذلك من الصعب الجزم حالياً بمدى الالتزام بها".
ويضيف أن التخوف الأكبر يكمن في ظهور تفسيرات جديدة قد تفرغ القاعدة من مضمونها، مثل السماح بتوقيف المحامي "لحين إعلام النقابة"، أو ممارسة ضغط على النقابة نفسها بحيث يقتصر دورها على العلم دون القدرة على اتخاذ إجراءات فعلية.
حصانة مطلقة أم إجرائية؟
يؤكد درغام أن المادة 78 لا تمنح حصانة مطلقة، بل حصانة إجرائية تهدف إلى احترام مهنة المحاماة، موضحاً بقوله: " القاعدة القانونية واضحة: بغير حالة الجرم المشهود لا يجوز توقيف المحامي ولا استجوابه إلا بعد إبلاغ مجلس الفرع، هي ليست حصانة بقدر ما هي احترام لعمل المحامي".
ويشير إلى أن المحامي يمثل القانون، وبالتالي فإن هذه الحماية ليست امتيازاً، بل ضرورة لضمان استقلالية المهنة.
علاقة المحامي بالأجهزة الأمنية
وحول انعكاس الإجراء على العلاقة مع الأجهزة الأمنية، يرى درغام أن الوضع الحالي لا يسمح بتوقعات دقيقة، مبيناً أن مسألة الأجهزة الأمنية في الوقت الراهن غير مستقرة، ولا يمكن التنبؤ بسلوكها مع هذه الإجراءات الجديدة.
ومع ذلك، فإن وجود نص واضح على البطاقة قد يسهم في خلق توازن صحي إذا تم الالتزام به.
جودة العمل القانوني
يعتقد درغام أن تطبيق المادة فعلياً سيمنح المحامي أريحية أكبر في المرافعات وحرية في الدفاع، لكنه يشدد على أن ذلك مشروط بأمرين، هما التزام السلطة الأمنية بالقاعدة القانونية، وتمتع النقابة بحرية اتخاذ الإجراءات المناسبة عند إعلامها بأي استدعاء أو إجراء بحق محامٍ.
مخاوف من إساءة الاستخدام
درغام لا يستبعد احتمال حدوث حالات "تعسف في استخدام الحق"، لكنه يشير إلى أن النقابة والجهات الأمنية قد تتفقان على خطوات تنفيذية سريعة لمعالجة أي تجاوزات محتملة.
واصفاً هذا الإجراء في حديثه لـ Syria One بأنه خطوة ممتازة للتذكير بالقاعدة القانونية، لكنه يعترف بأن النظرة العامة تميل إلى اعتباره شكلياً، مضيفاً بالقول:
"نعم، هناك من يراه حبراً على ورق، لكن التجربة وحدها ستثبت مدى فعاليته، مؤكداً أن التطبيق العملي هو المعيار الحقيقي لنجاح هذه الخطوة.
إضافة المادة 78 إلى البطاقة النقابية تمثل محاولة لإعادة التأكيد على حصانة المحامي وضمان احترام دوره في المنظومة القضائية، لكن نجاحها يبقى مرهوناً بمدى التزام الأجهزة الأمنية والنقابة معاً بروح القانون ونصّه، وبقدرة هذه الخطوة على الانتقال من مجرد إجراء شكلي إلى أداة حماية فعلية تعزز استقلالية مهنة المحاماة.






