قبل أشهر قليلة فقط، كانت التقارير الدولية تحذّر من واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي شهدتها سوريا منذ عقود، أما اليوم، فتعيش مناطق واسعة على ضفاف نهر الفرات حالة استنفار بعد فيضانات غير مسبوقة أجبرت السلطات على فتح بوابات سد الفرات لأول مرة منذ عام 1988.
هذا التحول يكشف حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة المائية السورية، والتي لم تعد مرتبطة فقط بنقص الموارد، بل بتأثيرات التغير المناخي وتدهور البنية التحتية وتداعيات الحرب.
بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، شهد موسم 2024–2025 تراجعاً في الهطولات المطرية بنسبة تجاوزت 54% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، بينما سجلت بعض المناطق عجزاً مطرياً وصل إلى 69%.
هذا الانخفاض انعكس مباشرة على القطاع الزراعي، حيث تضررت نحو 75% من الأراضي المعتمدة على الأمطار، فيما تراجع إنتاج القمح السوري إلى ما بين 900 ألف ومليون و100 ألف طن فقط، مقارنة بأكثر من 4 ملايين طن سنوياً قبل عام 2011.
وتقدّر الأمم المتحدة أن البلاد تواجه فجوة غذائية تصل إلى 2.7 مليون طن من القمح، وهي كمية تكفي لإطعام أكثر من 16 مليون شخص لمدة عام كامل.
المياه الجوفية.. الاستنزاف الصامت
مع تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، اتجه المزارعون بشكل متزايد إلى الاعتماد على المياه الجوفية لتعويض النقص.
لكن هذا الحل المؤقت تحول إلى أزمة طويلة الأمد.
فخلال السنوات الماضية توسعت عمليات حفر الآبار العشوائية، وانخفضت مناسيب المياه الجوفية في العديد من المناطق، ما رفع تكاليف الضخ والطاقة وهدد استدامة الموارد المائية.
الفرات يعود إلى الفيضان
المشهد انقلب بشكل مفاجئ في ربيع 2026. فبعد سنوات من انخفاض تدفقات نهر الفرات، شهدت المنطقة موسماً مطرياً استثنائياً أدى إلى ارتفاع كبير في الواردات المائية القادمة من تركيا.
ووفق بيانات رسمية، تجاوز مخزون بحيرة سد الفرات 97% من طاقتها، ما دفع الجهات المعنية إلى فتح أربع بوابات من مفيض السد لأول مرة منذ 38 عاماً.
وارتفعت كميات المياه الممررة من نحو 290 متراً مكعباً في الثانية إلى أكثر من 800 متر مكعب في الثانية، فيما وصلت بعض التدفقات إلى قرابة 2000 متر مكعب في الثانية.
أضرار مباشرة في الرقة ودير الزور
الفيضانات الأخيرة أدت إلى غمر مساحات زراعية ومنازل في عدد من المناطق الواقعة على ضفاف النهر.
كما خرجت بعض الجسور الترابية ومحطات المياه عن الخدمة، وجرى تنفيذ عمليات إخلاء احترازية في مناطق مهددة بالغمر.
وشكلت الحكومة غرف عمليات مشتركة بين الوزارات لمراقبة المنسوب وتعزيز السواتر الترابية وحماية محطات مياه الشرب.
أزمة المياه مستمرة!
ورغم وفرة المياه المؤقتة في الفرات، لا تزال الأزمة قائمة على المستوى الوطني.
فبحسب بيانات اليونيسف، تأثر أكثر من 14.6 مليون شخص في سوريا بتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، بينما يحتاج نحو 7.6 ملايين شخص إلى تدخلات عاجلة في قطاع المياه.
كما تعاني أجزاء واسعة من البلاد من تراجع مصادر مياه الشرب وارتفاع الاعتماد على الصهاريج الخاصة والآبار غير الآمنة.
ما يحدث في سوريا اليوم يعكس حقيقة أن الأزمة لم تعد مجرد نقص أو وفرة في المياه، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي.
ففي بلد يعتمد بشكل كبير على الزراعة وعلى نهر الفرات كمصدر رئيسي للمياه، أصبح التغير المناخي عاملاً حاسماً في رسم مستقبل الاقتصاد والمعيشة لملايين السوريين.
وبين مشهد الجفاف القاسي ومشهد الفيضانات المفاجئة، تبدو سوريا أمام تحدٍ مائي غير مسبوق قد يحدد شكل السنوات القادمة بأكملها.






