باشرت وزارة المالية التحضير لإصدار أول صكوك سيادية للدولة السورية، حيث عُقد في وقت سابق اجتماع للجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية في الوزارة، المعنية بوضع إطار وخطة عمل تنظم مباشرة المالية إصدار الأوراق المالية الحكومية من أذون وسندات خزينة وصكوك سيادية، وتم في الاجتماع مناقشة مسودة الخطة الاستراتيجية التي يتم إعدادها لهذا الغرض.
ويتمثل الهدف من إصدار هذه الأدوات، في توفير مصادر تمويل حقيقية غير تضخمية لتمويل الموازنة العامة للدولة، إضافةً إلى خلق مؤشر مرجعي يساعد على تسعير الأصول المالية في سورية بما يساعد المؤسسات المالية والمصرفية على تسعير خدماتها المالية بصورة تعكس المخاطر بكفاءة. كذلك ستمكّن هذه الأدوات، مصرف سورية المركزي من تفعيل إدارة نشطة للسيولة وعمليات السوق المفتوحة.
وحول ذلك، يقول الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي لموقع Syria One: "هذه الخطوة وصفت بأنها تحول جذري في السياسة المالية للبلاد، وتأتي في وقت حساس يسعى فيه الاقتصاد السوري إلى ابتكار أدوات تمويلية جديدة بعيدة عن الطرق التقليدية التضخمية".
الصكوك السيادية وفرقها عن السندات
تُعرف الصكوك السيادية بأنها أداة تمويل إسلامية متوافقة مع الشريعة، تصدرها الحكومات كبديل عن السندات التقليدية القائمة على الفائدة، ويكمن الاختلاف الأساسي بينهما بحسب كويفي، في الآتي:
السندات التقليدية تمثل قرضاً بفوائد محددة، حيث تقترض الحكومة الأموال وتلتزم بدفع فوائد دورية للمستثمرين (وهو ما يُصنف شرعاً "ربا محرم")، أما الصكوك الإسلامية فلا تمثل دَيناً بفوائد، بل تمثل حصة مشاعة في ملكية أصل حقيقي أو منفعة أصل (مثل مشروع محطة كهرباء، شبكة طرق، أو عقارات حكومية)، يتشارك المستثمرون الأرباح الناتجة عن تشغيل هذا الأصل أو إيجاره (غالباً وفق صيغة الإجارة)، وفي نهاية مدة الصك، تعيد الحكومة أصل القيمة الاسمية وتسترد أصلها، وبالتالي، المستثمر في الصكوك هو شريك في منفعة الأصل وليس دليلاً يطالب بفوائد تراكمية.
الأهداف الاستراتيجية الجديدة لوزارة المالية
وأضاف كويفي: وفقاً للتصريحات الصادرة عن وزير المالية، محمد يسر برنية، فإن هذا الإصدار يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تمويل عجز موازنة عام 2026 المقدر بنحو 1.8 مليار دولار (أي ما يعادل تقريباً 5% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتجنب التمويل النقدي: التوقف عن سياسة "طباعة العملة" التي أسهمت بشكل مباشر في رفع معدلات التضخم وإضعاف القوة الشرائية لليرة السورية، إضافة إلى خلق منحنى عائد مرجعي (Yield Curve) لتوفير مؤشر مالي يساعد في تسعير القروض والأصول المالية في السوق السورية لأول مرة بشكل علمي ودقيق، وتفعيل عمليات السوق المفتوحة، كذلك تمكين مصرف سورية المركزي من استخدام هذه الصكوك، كأداة لضبط السياسة النقدية والتحكم في حجم السيولة في السوق المصرفي.
المكاسب والفوائد المرتقبة
يُعول الكثير من المراقبين الاقتصاديين على نجاح هذه التجربة لما تحمله من إيجابيات ملموسة، أبرزها بحسب كويفي، تمويل مستدام وغير تضخمي بدلاً من اللجوء للديون الخارجية المكلفة أو الطباعة، ستقوم الحكومة بسحب السيولة الفائضة والمكتنزة لدى البنوك، الأفراد، والصناديق الاستثمارية وتوجيهها نحو التنمية.
وجذب رؤوس الأموال الإسلامية، حيث يوجد تعطش كبير لدى البنوك الإسلامية العاملة في سوريا، والمستثمرين السوريين في الخارج، ورؤوس الأموال الإقليمية لتوظيف أموالهم في قنوات استثمارية آمنة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
تطوير وتنشيط بورصة دمشق وإيجاد سوق ثانوية لتداول هذه الصكوك سيعطي دفعاً قوياً لقطاع الأوراق المالية، ويوفر مرونة للمستثمرين لتسييل أموالهم عند الحاجة.
ربط التمويل بالإنتاج الحقيقي نظراً لأن الصكوك تتطلب وجود أصل حقيقي، فإن الأموال المجموعة ستذهب مباشرة لتمويل مشاريع حيوية (طاقة، مياه، إعادة إعمار) تساهم في نمو الاقتصاد الحقيقي.
التحديات والمخاطر والهواجس
يعتبر كويفي، أنه رغم بريق الفكرة، إلا أن تطبيقها في البيئة الاقتصادية السورية الحالية يواجه عقبات يتوجب التحذير منها، أهمها التعقيد التنظيمي والقانوني، فتصميم الصكوك يتطلب بنية تحتية قانونية معقدة تشمل تأسيس "شركات ذات غرض خاص" (SPV)، وتشكيل هيئات رقابة شرعية، وتقييم دقيق للأصول الحكومية، وهي إجراءات تتطلب وقتاً وتكلفة أعلى بكثير مقارنة بالسندات التقليدية.
وهناك خطر "الفخ التضخمي" وسوء الاستخدام إذا تم توجيه عوائد الصكوك لتمويل النفقات الجارية (مثل الرواتب والأجور والدعم الحكومي) بدلاً من توجيهها لمشاريع إنتاجية تولد دخلاً، فإن الدولة ستدخل في حلقة مفرغة من تراكم الديون السيادية دون تحقيق أي نمو اقتصادي حقيقي.
إضافة إلى ضعف السيولة المحلية وتراجع الثقة، فبعد سنوات من الحرب والضغوط الاقتصادية، تعاني المصارف السورية من حدود معينة للسيولة، كما أن القوة الشرائية للأفراد متراجعة، وبالتالي يتطلب نجاح الإصدار بناء جسور ثقة متينة لجذب ودائع المغتربين والسيولة المكتنزة خارج القطاع المصرفي.
كذلك يُخشى من تقلبات سعر الصرف، فإصدار الصكوك بالعملة المحلية يحمل مخاطر انخفاض قيمتها أمام العملات الأجنبية، مما قد يدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد مرتفعة جداً لتعويض مخاطر العملة، مما يزيد بدوره من كلفة التمويل على الخزينة العامة.
نظرة مستقبلية: شروط نجاح التجربة
إن توجه وزارة المالية نحو الصكوك السيادية هو خطوة شجاعة وتتماشى مع أفضل الممارسات المتبعة في دول حققت قفزات نوعية عبر هذه الأداة (مثل ماليزيا، دول الخليج العربي، والجزائر مؤخراً).
ومع ذلك، فإن العبرة تكمن في التحضير والتنفيذ، لضمان تحويل هذه الصكوك إلى رافعة حقيقية لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ليختم الباحث كلامه، مؤكداً أنه يجب على الحكومة التركيز على صياغة إطار تشريعي متين، والالتزام بأعلى معايير الشفافية والحوكمة في تقييم الأصول وإدارة العوائد، وضمان توجيه كل ليرة يتم جمعها نحو مشاريع بنية تحتية قادرة على توليد قيمة مضافة للاقتصاد السوري.






