عقب جلسة الاستماع في مجلس الشعب لوزير الطاقة محمد البشير لمناقشة أسباب الارتفاع الأخير في أسعار المشتقات النفطية، أعادت النقاشات النيابية والحكومية طرح الآليات والأدوات المتاحة لإدارة المشاكل الحاصلة في قطاع الطاقة. وخلال الجلسة طرح البشير إمكانية العودة لاستخدام البطاقة الذكية وتقنين المشتقات النفطية كأداة لضبط الحركة وتحقيق استقرار السعر الموجه للمواطن.
اعتراف بتواضع القدرة على الضبط
المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش قال لـ Syria One إن المعطيات الراهنة التي تؤكد أن العودة إلى البطاقة الذكية (التي طُبقت سابقاً على المحروقات والخبز بسبب محدودية توفره) تمثل اعترافاً واقعياً بحدود القدرة على ضبط الأسعار، وليس مجرد أداة إدارية طارئة.
ويُوضح عربش أن سياسة السعر الموحد في ظل ندرة حادة (حيث يغطي الإنتاج المحلي 5% فقط من الاحتياج الفعلي مع وجود فجوة يومية تصل إلى 250 ألف برميل) تؤدي حُكماً إلى نشوء سوق سوداء.
ومن هذا المنطلق، يرى أن التوجه نحو تطبيق تسعير تفاضلي عبر ثلاث شرائح للمازوت (115، و150، و175 ليرة) يأتي كأداة لإدارة هذه الندرة البنيوية، تفادياً للتشوهات الاقتصادية التي يخلقها فرض سعر موحد في ظروف الاستنزاف هذه.
تضخم والتهام لزيادة الأجور
هذه الآليات الضابطة، بحسب عربش، لا تلغي الانعكاسات التضخمية المركبة التي يتسبب بها قرار رفع أسعار المحروقات، فالخطر يمتد إلى ما هو أبعد من كلفة الوقود المباشرة ليصل إلى تسرب الزيادة عبر سلاسل الإمداد، حيث ترتفع أجور الشحن بنسب تتراوح بين 40 و50%، لتنتقل الزيادة سريعاً إلى أسعار الجملة ثم إلى المستهلك النهائي. وبذلك تتحول الزيادة الرسمية في سعر المازوت (والبالغة 40%) إلى عبء مضاعف يلتهم أي زيادة في الأجور، ليجد المواطن نفسه يدفع الفاتورة مرتين، الأولى عند شراء الوقود مباشرة، والثانية عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية والمواصلات، بالتوازي مع الضغوط المستمرة على قيمة الليرة.
تداعيات خطيرة على الإنتاج
يمتد هذا التأثير، كما يوضح عربش لـ Syria One ليشكل ضربة مباشرة للقطاعات الإنتاجية، ففي القطاع الزراعي يمثل المازوت المحرك الأساسي للجرارات ومضخات المياه، وترفع زيادته بنسبة 40% من إجمالي تكاليف الإنتاج، ما يحوّل العملية الزراعية إلى مخاطرة غير مضمونة النتائج ويدفع باتجاه تقليص المساحات المزروعة.
أما في القطاع الصناعي، فتؤدي قفزات تكاليف الطاقة إلى زيادة كلفة المنتج النهائي، ليدخل القطاع في حلقة مفرغة تبدأ بارتفاع الكلفة والسعر، وتؤدي إلى تراجع الطلب والإنتاج، وصولاً إلى تفاقم معدلات البطالة.
معالجة دوافع التهريب أولى
وفي مقابل الاكتفاء بالرقابة الميدانية التقليدية، يشدد الدكتور زياد عربش على أن كبح السوق السوداء يتطلب معالجة دوافع التهريب من جذورها؛ عبر اعتماد شفافية كاملة بالإعلان المسبق عن قوائم المستحقين والمحطات المخصصة والكميات المحددة لكل قطاع لقطع طريق التهريب، وربط المازوت المدعوم (115 ليرة) حصرياً بقطاعي التدفئة والزراعة وفق نظام تحقق يمنع إعادة بيعه، إلى جانب إخضاع الشركة السورية للبترول لتدقيق مالي مستقل ونشر بيانات دورية حول الكميات والجهات المستوردة، منعاً لتشكل مكاسب ريعية لفئات محددة.
ويخلص عربش إلى أن البدائل المتاحة أمام الحكومة لتخفيف عبء فاتورة الطاقة تكون من خلال خفض متوسط الكلفة الكلية بدلاً من الاكتفاء بتقاسم العجز، ويتحقق ذلك عبر ثلاث أشكال للبدائل المتاحة: أولها الإصلاح الهيكلي لقطاع الكهرباء للحد من الفاقد الفني والسرقات وتحسين جباية الفواتير (حيث يعود العجز المقدر بأكثر من مليار دولار إلى ضعف التحصيل والهدر في الشبكات إلى جانب انخفاض الأسعار)، وثانيها إدارة مزيج الطاقة بتسعير الكهرباء اعتماداً على متوسط تكلفة المصادر المختلفة (مصافي، سدود، طاقة شمسية) لتنعكس كلفة الإنتاج المحلي المنخفضة على السعر النهائي، وثالثها الشفافية والتحول التدريجي عبر ربط أي تعديل سعري بمسار إصلاحي معلن (تركيب عدادات ذكية، التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة وتقليل الهدر)، لضمان عدم تحول القرارات إلى مجرد إجراءات تقشفية تُحمل المواطن كلفة العجز الهيكلي.
إن المشكلة الراهنة، كما يختم عربش تتخطى أسعار المحروقات، وتصل إلى منظومة إدارة قطاع الطاقة برمتها، فالحل لا يكمن في التلاعب بالأسعار، بل في بناء منظومة شفافة وخاضعة للمساءلة، وإلا سيبقى المواطن هو من يدفع الفاتورة، أولاً من جيبه، ثم في استقراره.






