ابتكر العرب تقويماً فلكياً شعبياً لتقسيم الشتاء إلى مواسم دقيقة، حملت أسماءً لا تزال تتردد حتى اليوم: المربعانية، الشبط، والعقارب.
هذه الفترات لم تكن مجرد تقسيمات زمنية، بل كانت دليلًا للحياة اليومية، من الزراعة إلى الترحال، ومن اللباس إلى الحذر من البرد القارس، في زمنٍ لم تكن فيه الأقمار الصناعية ترصد الطقس، ولا تطبيقات الهواتف تنبّه بتقلباته
المربعانية.. بداية الشتاء الحقيقي
وبوابة البرد تبدأ المربعانية في 22 كانون الأول / ديسمبر وتستمر 40 يوماً، ولهذا سُمّيت بهذا الاسم، وتُعد هذه الفترة أبرد مواسم الشتاء، وتكثر فيها الأمطار والصقيع، وقد تهطل الثلوج في بعض المناطق المرتفعة.
يقول الفلكي خالد الزعاق إن المربعانية هي إعلان دخول الشتاء الفعلي، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل حاد، وتبدأ الأرض في التهيؤ للسبات الزراعي في هذه الفترة، كان العرب يوصون بتخزين الحطب، وارتداء الملابس الثقيلة، وتجنّب السفر الطويل، إذ يُقال في الموروث الشعبي: "إذا دخلت المربعانية، حضّر دفاك واصبر على بردها القاسي"
الشبط.. موسم الصقيع المخادع
يلي المربعانية مباشرة موسم الشبط، الذي يبدأ في 15 كانون الثاني / يناير ويستمر حتى 10 شباط / فبراير يُعرف بأنه أشد مواسم الشتاء برودة، وتُوصف برودته بـ "المخادعة"، إذ قد تبدو الشمس مشرقة، لكن الهواء قارس يخترق العظام، ويُطلق عليه في الخليج اسم "برد الأزيرق"، لأن الأجسام تزرقّ من شدة البرد.
ويُقال في الأمثال: "شباط مقرقع البيبان"، في إشارة إلى الرياح العاتية التي تهز الأبواب ليلًا، كما يُعرف هذا الموسم بجفافه، حيث تختفي الزراعة وتُصبح الأرض قاسية.
العقارب.. دفء كاذب وبرد غادر
مع حلول 10 شباط / فبراير يبدأ موسم العقارب، الذي يمتد 39 يوماً، ويُقسّم إلى ثلاث مراحل: عقرب السم، عقرب الدم، وعقرب الدسم. في هذه الفترة، يبدأ الدفء بالعودة تدريجياً، لكن البرد لا يرحل تماماً، بل يُباغت الناس في لحظات غير متوقعة.
يُقال في الموروث الشعبي: "العقارب ثلاث: أولها سم، أوسطها دم، وآخرها دسم"، ويُشير هذا إلى أن العقرب الأولى ما زالت باردة، والثانية متقلبة، والثالثة تحمل بشائر الربيع والمطر.
تقويم فلكي وجغرافي.. من نجد إلى الشام
رغم أن هذه التقسيمات نشأت في الجزيرة العربية، إلا أنها امتدت إلى بلاد الشام والعراق والخليج، مع اختلافات طفيفة في التواريخ والتسميات.
وقد اعتمدها البدو والفلاحون كمرجع أساسي في تحديد مواسم الزراعة، وتنقل القوافل، وحتى في تنظيم الحياة الاجتماعية.
تقسيم العرب للشتاء إلى المربعانية، الشبط، والعقارب ليس مجرد إرث لغوي، بل نظام فلكي شعبي متكامل، يعكس فهماً عميقاً للطبيعة ودوراتها، وبينما نعيش اليوم في عصر التكنولوجيا، لا تزال هذه المواسم حاضرة في الذاكرة الشعبية، تُذكّرنا بأن الشتاء العربي له طقوسه، وأسماؤه، وحكاياته






