يقف مشروع إعادة بناء خط الأنابيب النفطي بين العراق وسوريا أمام معادلة معقدة تتجاوز حدود تدفق النفط، لتلامس أبعاداً استراتيجية وبيئية تعيد تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة. ومع طرح خيار الخط الجديد لنقل نحو مليوني برميل يومياً من كركوك وحديثة نحو مصب بانياس السوري، تتزايد التساؤلات حول مدى جاهزية البنية التحتية وحجم التبعات الأمنية والبيئية المرافقة.
وفي هذا الإطار، كشف الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية م.باسل كويفي في تصريحات خاصة لـ "Syria One" الأبعاد الفنية واللوجستية والبيئية المرافقة لهذا مشروع.
بنية تحتية حديثة
أكد الباحث السياسي والاقتصادي باسل كويفي لـ Syria One أن الخطة المطروحة تتجاوز مجرد ترميم الخط القديم المنشأ في خمسينيات القرن الماضي ذي الطاقة المحدودة والقطر البالغ 32 إنشاً والذي بات غير متوافق مع المواصفات الحديثة نتيجة التآكل والأضرار.
وبيّن في حديثه لـ Syria One أن التنفيذ يتطلب منظومة متكاملة تستغرق من سنتين إلى أربع سنوات بتكلفة تصل إلى 15 مليار دولار عبر ائتلاف دولي يقوده عملاق الطاقة الأميركي "شيفرون" بالتعاون مع "UCC Holding" و"TI Capital"، مشيراً إلى أن المشروع يواجه تحديات فنية ولوجستية بالغة الدقة، أبرزها ضرورة توسعة مصب بانياس لزيادة طاقته الاستيعابية التي تقتصر حالياً على استقبال ناقلات من فئة "أفراماكس" بحدود 130 ألف طن عبر توسيع المرابط البحرية وخزانات التجميع، وأضاف أن سنوات الحرب والعقوبات أدت إلى نزيف في القدرات البشرية وضغوط على القطاع النفطي الذي تعمل فيه حالياً 40% فقط من الآبار السورية، مما يجعل إدارة محطات الضخ العملاقة المعتمدة على أنظمة "سكادا" (SCADA) المتقدمة بحاجة إلى اعتماد مكثف على الائتلاف الدولي لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية.
مخاطر بيئية متنوعة
وفيما يتعلق بالتأثيرات البيئية للمشروع، أوضح كويفي لـ Syria One أن مرور المسار عبر أراضٍ صحراوية ورعوية وزراعية في غرب العراق ووسط وشرق سوريا يثير قلقاً كبيراً في ظل غياب دراسات أثر بيئي علنية حتى الآن. وأشار في تصريحاته إلى أن مرحلة الإنشاء تنطوي على مخاطر تجريف التربة وتجزئة الأراضي الزراعية واضطراب شبكات الري مما يستدعي تعويض المالكين وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، بينما تحمل مرحلة التشغيل مخاطر تسرب النفط إلى الطبقات المائية الجوفية والأودية، وهو ما يتطلب تركيب أنظمة دقيقة لكشف التسرب واعتماد الحماية الكاثودية.
وعلى صعيد المصب البحري في بانياس الذي يمتلك تاريخاً من حوادث التلوث المرتبطة بالمصفاة، شدد كويفي عبر Syria One على أن فرض الشراكات الاستثمارية لمعايير عالية يستوجب التزاماً صارماً بمعايير "ماربول" واستخدام ناقلات مزدوجة الهيكل لحماية البيئة البحرية، مؤكداً أن الحماية الفعلية تظل مرهونة بالقدرات المحلية على التنفيذ والمراقبة.
تأمين الأنابيب
وشدد الباحث السياسي والاقتصادي في ختام حديثه لـ Syria One على أن المشروع يسعى استراتيجياً لتقديم بديل لنقل النفط بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز، إلا أنه ينقل المخاطر العملية من البحر إلى البر عبر امتداده لمئات الكيلومترات في مناطق صحراوية شاسعة يصعب ضبطها أمنياً، ولفت كويفي إلى أن خطوط الأنابيب أصبحت أهدافاً للمخاطر والأعمال العسكرية والهجمات السيبرانية على أنظمة التحكم المباشرة، مما يفرض بناء منظومة دفاعية وأمنية متطورة تعتمد على الطائرات المسيرة والحساسات الأرضية والتنسيق الاستخباراتي المكثف بين بغداد ودمشق والائتلاف الدولي.
واختتم كويفي حديثه لـ Syria One بالتحذير من أن العوائد الاقتصادية المتوقعة لسوريا من إيرادات الترانزيت والفارق السعري التفضيلي مشروطة بتحقيق استقرار أمني دائم والالتزام الصارم بالمعايير البيئية لحماية الأراضي والمياه البحرية من كارثة تلوث غير محسوبة.






