إيجاد عمل في سوريا، أُضيف إلى المستحيلات السبعة، ليصبح المستحيل الثامن، فـ "البطالة" لم تعد مجرد رقم إحصائي عابر، بل تحولت إلى أزمة خانقة تطال النسيج المجتمعي، ومع وصول تقديرات معدلات البطالة إلى مستويات كبيرة، يجد الكثير من الخريجين السوريين أنفسهم أمام أبواب مغلقة وسوق عمل متهالك، مما يضع البلاد أمام تحدٍ وجودي يتمثل في خسارة أهم ثرواتها البشرية لصالح الهجرة أو اليأس.
يقول محمد (مدقق لغوي) لـ Syria One: "إيجاد فرص عمل بات من المستحيلات، حيث إنني أبحث عن فرصة عمل منذ أكثر من عام، لكن دون جدوى"، لتضيف مروة: "من يجد فرصة عمل في يومنا هذا الذي باتت تنتشر فيه البطالة بشكل مخيف، هو شخص محظوظ، وعليه التمسك بها، لأنها قد تكون حلم لغيره، نحن (هي والكثير من زملائها) خريجي جامعات ولم نجد فرصتنا بعد".
تقديرات حكومية
في وقت سابق، قالت معاونة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل رغداء زيدان: "لدينا نسبة بطالة عالية جداً في سوريا، وهناك قوى شبابية بحاجة إلى فرص عمل"، في حين أوضح وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، خلال عام 2025 الفائت، أن البطالة في البلاد تفوق 60%.
وفي السياق، كشف جميل العثمان، مدير مديرية سوق العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لـ Syria One، أن نسبة البطالة في سوريا بلغت 23.7%.
وعن الإجراءات التي سيتم اتخاذها للحد من نسبة البطالة، بيّن العثمان، أنه سيتم دعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وفتح باب الاستثمار في كافة القطاعات، في الصناعة والزراعة، وبالإضافة إلى إعادة الإعمار (الأشغال العامة) بما أن سوريا خارجة من حرب امتدت لـ 14 عاماً.
وبحسب بيانات جرى تداولها عبر مواقع عدة، في الأعوام السابقة، فإن عام 2015 سجل أعلى معدل للبطالة خلال العقود الماضية، وقد قدر حكومياً حينها بحوالي 48.3%، تلاه العام 2013 بحوالي 40.8%، وجاء عام 2019 في المرتبة الثالثة بمعدل قدره 31.2%.
أثر البطالة على المجتمع
وأوضحت الأخصائية والباحثة الاجتماعية، غدران نجم، لـ Syria One، أن غياب الأفق المهني يحوّل طاقة الشباب من بناء وتعمير إلى يأس أو تدمير، فالبطالة ليست مجرد أرقام إحصائية، بل هي جرح غائر ينزف في صميم النسيج النفسي والاجتماعي، مضيفة: "الشباب في سوريا اليوم لا يواجهون نقص المال فحسب، بل يواجهون تحطماً في صور ذواتهم وهنا نتحدث عن: فقدان الدور الاجتماعي، فالعمل هو الذي يمنح الفرد مكانته وعندما يجد الشاب نفسه عاجزاً عن العمل يشعر بالدونية، مما يدخله في دوامة من الاكتئاب المزمن والقلق حيال المستقبل".
كما يعيش الشباب السوري حالة من التوقف في المكان حيث لا يستطيع التخطيط لزواج، أو استقلال، أو بناء أسرة، بحسب نجم، التي تابعت بالقول: "وينمو لدى معظم الشباب شعور بالاغتراب تجاه مجتمعهم فيشعرون أن وطنهم لا يقدم لهم شيئاً مما يولد رغبة جامحة في الهجرة كحل وحيد، وهو ما يفرغ البلاد من طاقاتها المنتجة".
أما اجتماعياً، فتأخر سن الزواج وتفكك الأسرة يعد من أهم اسبابه البطالة، مضيفة: "هذا لا يؤدي فقط الى تأخر سن الزواج بل يساهم في زيادة الضغوط داخل الأسر القائمة ما يرفع معدلات الطلاق والعنف المنزلي نتيجة الضيق المادي.
كما أن الفراغ القاتل مع الحاجة المادية يمثل بيئة خصبة للجريمة وتعاطي المواد الممنوعة والانخراط في نشاطات غير قانونية كوسيلة سريعة لتأمين القوت مما يهدد السلم الأهلي، ناهيك عن أن البطالة تقتل الحراك الاجتماعي و تعزز التفاوت الطبقي يصبح الغني أكثر غنى والفقير العاطل يغرق في قاع المجتمع، مما يولد مشاعر الحقد الاجتماعي ويضعف التماسك بين فئات المجتمع".
اما اقتصادياً، فبدلاً من أن يكون الشباب هم القوة، يصبحون هم أنفسهم عبئاً يحتاج إلى إعالة، مما يرهق كاهل الأسر المنهكة أصلاً، لتختم نجم بالقول: "الحل بالتأكيد يبدأ من إعادة الثقة للشباب، عبر برامج تمكين حقيقية وربط التعليم بسوق العمل المتغير، وخلق بيئة تشعر الشاب بأن لجهده قيمة وكرامة في أرضه".






