اقتصاد

استبدال الليرة السورية بين الضرورة الاقتصادية والرهان السياسي

340
العملة السورية الجديدة

خاص | Syria one


في بلدٍ اعتاد فيه المواطن عدّ النقود بالكيلو لا بالعدد، يعود ملف استبدال العملة النقدية السورية إلى واجهة النقاش العام، لا بوصفه إجراءً تقنيًا فحسب، بل كحدث سياسي–اقتصادي

مركزي يعكس محاولة لإعادة ضبط المشهد المالي والرمزي للدولة بعد سنوات طويلة من الانهيار. فحين تصبح ورقة نقدية من فئة كبيرة عاجزة عن شراء حاجات أساسية، يصبح السؤال أبعد من شكل العملة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إعادة تغليف للأزمة؟

حين فقدت الليرة معناها

منذ عام 2011، فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها، ما أدخل الاقتصاد في مرحلة تضخم مفرط غير معلن. الأسعار تضاعفت آلاف المرات، الأجور تآكلت، وتحولت الفئات النقدية الصغيرة إلى أثرٍ من الماضي. في هذا السياق، لم يعد النظام النقدي الحالي عمليًا: معاملات يومية بأرقام فلكية، فوضى محاسبية، وتكاليف طباعة ونقل ضخمة للأوراق النقدية.

هنا، يبرز خيار استبدال العملة أو حذف الأصفار كحل مطروح منذ سنوات، لكنه عاد بقوة مؤخرًا عبر تسريبات وتصريحات غير مباشرة، تتحدث عن إصدار عملة جديدة بحذف صفرين من الليرة الحالية، مع أوراق نقدية بتصاميم مختلفة.

ما الذي يعنيه استبدال العملة عمليًا؟

وفق ما تتداوله مصادر اقتصادية وإعلامية، فإن الخطة المحتملة تقوم على إعادة تقييم شكلية للعملة دون تغيير قيمتها الحقيقية. أي أن 10,000 ليرة قد تصبح 100 ليرة “جديدة”، مع بقاء القوة الشرائية على حالها. الهدف المعلن هو تبسيط التعاملات النقدية، تقليل عدد الأوراق المتداولة، وتحسين كفاءة النظام المالي.

التجارب الدولية تشير إلى أن هذه الخطوة تُستخدم عادة في الدول التي عانت تضخمًا طويل الأمد، مثل تركيا (2005) أو البرازيل سابقًا، وغالبًا ما تكون ناجحة فقط إذا جاءت ضمن حزمة إصلاحات أوسع تشمل السياسة النقدية، المالية، وسوق الصرف.

البعد السياسي: عملة بلا رموز قديمة

لكن في الحالة السورية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة. فالحديث عن عملة جديدة يتقاطع مع نقاش أوسع حول الرمزية السيادية. تغيير شكل العملة، صورها، وأسمائها المحتملة، يُقرأ كرسالة داخلية وخارجية مفادها أن مرحلة ما تُغلق، أو على الأقل يُراد طيّها شكليًا.

هذا البعد الرمزي قد يكون مهمًا في محاولة استعادة الثقة العامة، لا سيما في مجتمع تضررت علاقته بالعملة الوطنية، ومال إلى الدولرة أو التعامل بعملات بديلة. غير أن الرمزية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع ثقة فعلية في السياسات الاقتصادية.

التحدي الأكبر بالتنفيذ

أحد أكثر الجوانب حساسية هو آلية التنفيذ. استبدال العملة عملية معقدة تتطلب:

جهازًا مصرفيًا قادرًا على الاستيعاب، أنظمة محاسبية محدثة، توعية شاملة للمواطنين، وضمانات واضحة لحماية المدخرات.

أي خلل في هذه العملية قد يؤدي إلى ارتباك في الأسواق، موجة مضاربات، أو حتى فقدان جزئي للمدخرات، خاصة في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية. كما أن التداول المزدوج بين العملة القديمة والجديدة، إن طال أمده، قد يخلق تشوهات سعرية وفوضى إضافية.

هل يعالج الاستبدال جوهر الأزمة؟

يتفق معظم الخبراء على أن حذف الأصفار لا يعالج التضخم، ولا يخلق قيمة اقتصادية بحد ذاته. فهو إجراء محاسبي–إداري يسهّل التعامل، لكنه لا يوقف تدهور العملة ما لم تُضبط الكتلة النقدية، ويُعاد بناء الثقة بالسياسة النقدية، ويُعالج عجز الموازنة، ويُحرر سعر الصرف ضمن رؤية واضحة.

بعبارة أخرى، يمكن لعملة جديدة أن تبدو أنيقة، لكن إن استمرت نفس السياسات، فإنها ستتضخم هي الأخرى، وتعيد إنتاج الأزمة بالأرقام الجديدة نفسها.

بين الواقعية والرهان

في المحصلة، يقف ملف استبدال العملة السورية عند تقاطع دقيق بين الضرورة الاقتصادية والرهان السياسي. هو خطوة قد تكون مفيدة تقنيًا، وربما مطلوبة لتخفيف العبء اليومي عن المواطنين والأسواق، لكنها تحمل مخاطر كبيرة إن استُخدمت كبديل عن الإصلاح الحقيقي.

السؤال الجوهري لم يعد: هل ستصدر سوريا عملة جديدة؟

بل: هل ستكون هذه العملة بداية مسار إصلاحي فعلي، أم مجرد فاصلة شكلية في نص الأزمة الطويل؟

الإجابة، كما في كل ما يتعلق بالاقتصاد السوري، لن تُقاس بشكل الورقة النقدية، بل بما يمكن أن تشتريه في حياة المواطن العادي.


مقالات ذات صلة

انخفاض الذهب والنفط وارتفاع الدولار والفضة

انخفاض الذهب والنفط وارتفاع الدولار والفضة

تراجعت أسعار الذهب والنفط اليوم الخميس مع ارتفاع الدولار وجني المستثمرين للأرباح
3
الاتصالات تنهي إجراءات استئناف خدمة "غير محكوم" عبر مكاتب السورية للبريد

الاتصالات تنهي إجراءات استئناف خدمة "غير محكوم" عبر مكاتب السورية للبريد

أنهت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بالتنسيق مع وزارة الداخلية، جميع المراحل الفنية والإدارية اللازمة لإعادة تفعيل خدمة خلاصة السجل العدلي "غير محكوم" عبر مجموعة من المكاتب التابعة للمؤسسة السورية للبريد
32
الرقابة المالية تكشف فساداً بقيمة 8.5 مليار ليرة في شركة الشرق للألبسة

الرقابة المالية تكشف فساداً بقيمة 8.5 مليار ليرة في شركة الشرق للألبسة

كشفت تحقيقات أجراها الجهاز المركزي للرقابة المالية عن وجود قضايا فساد مالي ضخمة تجاوزت ثمانية مليارات ونصف المليار ليرة سورية وفق العملة القديمة في شركة الشرق للألبسة الداخلية
42
برنامج الامتحان سوريا

وزارة التربية السورية تصدر البرنامج الامتحاني لشهادة الثانوية العامة والثانوية الشرعية لعام 2026

أعلنت وزارة التربية والتعليم السورية صدور البرنامج الامتحاني لشهادتي الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، والثانوية الشرعية لدورة عام 2026، حيث من المقرر أن تنطلق الامتحانات في 4 حزيران/يونيو 2026.
80
شيفرون سوريا

أول اتفاق نفطي بحري في سوريا.. ماذا تعني شراكة شيفرون للاقتصاد السوري؟

شهدت دمشق اليوم انطلاق فعاليات توقيع مذكرة تفاهم للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية بين الشركة السورية للبترول وكل من شركة «شيفرون» الأميركية وشركة «باور إنترناشونال القابضة»، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها في مجال الاتفاقيات البحرية السورية، والأولى على مستوى شرق المتوسط بهذا الإطار الثلاثي.
69
سيرياون إعلان 7