اقتصاد

استبدال الليرة السورية بين الضرورة الاقتصادية والرهان السياسي

659
العملة السورية الجديدة

خاص | Syria one


في بلدٍ اعتاد فيه المواطن عدّ النقود بالكيلو لا بالعدد، يعود ملف استبدال العملة النقدية السورية إلى واجهة النقاش العام، لا بوصفه إجراءً تقنيًا فحسب، بل كحدث سياسي–اقتصادي

مركزي يعكس محاولة لإعادة ضبط المشهد المالي والرمزي للدولة بعد سنوات طويلة من الانهيار. فحين تصبح ورقة نقدية من فئة كبيرة عاجزة عن شراء حاجات أساسية، يصبح السؤال أبعد من شكل العملة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إعادة تغليف للأزمة؟

حين فقدت الليرة معناها

منذ عام 2011، فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها، ما أدخل الاقتصاد في مرحلة تضخم مفرط غير معلن. الأسعار تضاعفت آلاف المرات، الأجور تآكلت، وتحولت الفئات النقدية الصغيرة إلى أثرٍ من الماضي. في هذا السياق، لم يعد النظام النقدي الحالي عمليًا: معاملات يومية بأرقام فلكية، فوضى محاسبية، وتكاليف طباعة ونقل ضخمة للأوراق النقدية.

هنا، يبرز خيار استبدال العملة أو حذف الأصفار كحل مطروح منذ سنوات، لكنه عاد بقوة مؤخرًا عبر تسريبات وتصريحات غير مباشرة، تتحدث عن إصدار عملة جديدة بحذف صفرين من الليرة الحالية، مع أوراق نقدية بتصاميم مختلفة.

ما الذي يعنيه استبدال العملة عمليًا؟

وفق ما تتداوله مصادر اقتصادية وإعلامية، فإن الخطة المحتملة تقوم على إعادة تقييم شكلية للعملة دون تغيير قيمتها الحقيقية. أي أن 10,000 ليرة قد تصبح 100 ليرة “جديدة”، مع بقاء القوة الشرائية على حالها. الهدف المعلن هو تبسيط التعاملات النقدية، تقليل عدد الأوراق المتداولة، وتحسين كفاءة النظام المالي.

التجارب الدولية تشير إلى أن هذه الخطوة تُستخدم عادة في الدول التي عانت تضخمًا طويل الأمد، مثل تركيا (2005) أو البرازيل سابقًا، وغالبًا ما تكون ناجحة فقط إذا جاءت ضمن حزمة إصلاحات أوسع تشمل السياسة النقدية، المالية، وسوق الصرف.

البعد السياسي: عملة بلا رموز قديمة

لكن في الحالة السورية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة. فالحديث عن عملة جديدة يتقاطع مع نقاش أوسع حول الرمزية السيادية. تغيير شكل العملة، صورها، وأسمائها المحتملة، يُقرأ كرسالة داخلية وخارجية مفادها أن مرحلة ما تُغلق، أو على الأقل يُراد طيّها شكليًا.

هذا البعد الرمزي قد يكون مهمًا في محاولة استعادة الثقة العامة، لا سيما في مجتمع تضررت علاقته بالعملة الوطنية، ومال إلى الدولرة أو التعامل بعملات بديلة. غير أن الرمزية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع ثقة فعلية في السياسات الاقتصادية.

التحدي الأكبر بالتنفيذ

أحد أكثر الجوانب حساسية هو آلية التنفيذ. استبدال العملة عملية معقدة تتطلب:

جهازًا مصرفيًا قادرًا على الاستيعاب، أنظمة محاسبية محدثة، توعية شاملة للمواطنين، وضمانات واضحة لحماية المدخرات.

أي خلل في هذه العملية قد يؤدي إلى ارتباك في الأسواق، موجة مضاربات، أو حتى فقدان جزئي للمدخرات، خاصة في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات المالية. كما أن التداول المزدوج بين العملة القديمة والجديدة، إن طال أمده، قد يخلق تشوهات سعرية وفوضى إضافية.

هل يعالج الاستبدال جوهر الأزمة؟

يتفق معظم الخبراء على أن حذف الأصفار لا يعالج التضخم، ولا يخلق قيمة اقتصادية بحد ذاته. فهو إجراء محاسبي–إداري يسهّل التعامل، لكنه لا يوقف تدهور العملة ما لم تُضبط الكتلة النقدية، ويُعاد بناء الثقة بالسياسة النقدية، ويُعالج عجز الموازنة، ويُحرر سعر الصرف ضمن رؤية واضحة.

بعبارة أخرى، يمكن لعملة جديدة أن تبدو أنيقة، لكن إن استمرت نفس السياسات، فإنها ستتضخم هي الأخرى، وتعيد إنتاج الأزمة بالأرقام الجديدة نفسها.

بين الواقعية والرهان

في المحصلة، يقف ملف استبدال العملة السورية عند تقاطع دقيق بين الضرورة الاقتصادية والرهان السياسي. هو خطوة قد تكون مفيدة تقنيًا، وربما مطلوبة لتخفيف العبء اليومي عن المواطنين والأسواق، لكنها تحمل مخاطر كبيرة إن استُخدمت كبديل عن الإصلاح الحقيقي.

السؤال الجوهري لم يعد: هل ستصدر سوريا عملة جديدة؟

بل: هل ستكون هذه العملة بداية مسار إصلاحي فعلي، أم مجرد فاصلة شكلية في نص الأزمة الطويل؟

الإجابة، كما في كل ما يتعلق بالاقتصاد السوري، لن تُقاس بشكل الورقة النقدية، بل بما يمكن أن تشتريه في حياة المواطن العادي.


مقالات ذات صلة

مشروع توسعة حقل قطري للغاز المسال يبدأ الإنتاج في نوفمبر- تشرين الثاني

مشروع توسعة حقل قطري للغاز المسال يبدأ الإنتاج في نوفمبر- تشرين الثاني

قال مصدران مطلعان إن أول وحدة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في مشروع قطر للطاقة لتوسعة حقل الشمال الشرقي ​بقطر جاهز لبدء التشغيل في نوفمبر تشرين الثاني، مما يتيح لقطر ‌سبيلا لاستعادة بعض الإنتاج المفقود بسبب هجمات إيران.
328
عبر منفذ جديدة يابوس.. دخول 850 ألف سوري منذ بداية العام ووصول قافلة جديدة تضم 19 عائلة

عبر منفذ جديدة يابوس.. دخول 850 ألف سوري منذ بداية العام ووصول قافلة عودة طوعية تضم 19 عائلة

عادت 19 عائلة سورية اليوم الأربعاء، 7 تشرين الأول/أكتوبر، من لبنان إلى سوريا، عبر منفذ جديدة ‌‏يابوس في ريف دمشق، ضمن قافلة العودة الطوعية، بالتعاون مع مفوضية ‌‏الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ ‌‏والجمارك، والمفوضية في لبنان، والمنظمة الدولية للهجرة في لبنان.
356
تطوير نموذج أولي لإطار سيارة قابل للاستبدال عند  تآكله بدلا من استبدال الإطار كاملا

تطوير نموذج أولي لإطار سيارة قابل للاستبدال عند تآكله بدلا من استبدال الإطار كاملا

طوّر باحثون في جامعة كارلوس الثالث في مدريد نموذجاً أولياً لإطار سيارة قابل للاستبدال، يتيح تغيير الجزء الخارجي الملامس للطريق عند تآكله بدلاً من استبدال الإطار كاملاً
390
النقد الدولي يحذر من تزايد المخاطر  على الاقتصاد العالمي.. تفادي الاختلالات الاقتصادية

النقد الدولي يحذر من تزايد المخاطر على الاقتصاد العالمي.. تفادي الاختلالات الاقتصادية

حذّر صندوق النقد الدولي من تزايد المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، ‏في ظل تزامن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مع صدمات الطاقة ‏واستمرار تراكم الديون الحكومية، داعياً صانعي السياسات إلى التحرك ‏لتفادي اتساع الاختلالات الاقتصادية‎.‎
632
الذهب في سوريا.. المعدن الأصفر ينخفض 100 ليرة في السوق السورية‌

الذهب في سوريا.. المعدن الأصفر ينخفض 100 ليرة في السوق السورية‌

انخفض سعر غرام الذهب عيار 21 قيراطاً في السوق السورية، ‏اليوم الأربعاء 100 ‏ليرة سورية، مقارنةً بسعره الذي سجله أمس ‏الثلاثاء
611
سيرياون إعلان 7