يبدو المشهد في مناطق الجنوب السوري وتحديداً في محافظة درعا أقل تعقيداً من أي مرحلة سابقة من العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، فالأهداف الإسرائيلية التي قد تبدو سبباً في زيادة التحرك داخل الأراضي السورية هي توسيع المنطقة العازلة، وملخص ما يقوله الإعلام الإسرائيلي إن القيادة الإسرائيلية تريد مضاعفة حجم القوات المنتشرة في الداخل السوري ثلاث مرات على الأقل، مع إنشاء قواعد عسكرية جديدة شرق شريط الفصل الذي كان معمولاً به قبل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول من العام 2024، إضافة إلى الحديث حالياً عن استمرارية الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا لمدة خمسة سنوات على الأقل، وضمن هذه الأجواء توضع التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة "حوض اليرموك"، الأكثر أهمية في الحسابات الاقتصادية والأمنية معاً، ويبدو أن الاحتلال اتخذ قراراً بأن ينشأ قاعدة في منطقة "دبة المغر"، التي تعد مرتفعاً أرضياً يشرف على مساحات كبيرة بالقرب من قرية "عابدين"، وفي هذا الإطار تكون قوات الاحتلال بصدد إنشاء القاعدة الثانية لها في المنطقة بعد "ثكنة الجزيرة"، التي احتلتها في الأيام الأولى بعد سقوط الأسد.
وتوضع عمليات القصف التي كان آخرها ليل الأربعاء – الخميس، على محيط قرية "جملة"، في المنطقة ضمن خانة اختبار ردة فعل سكان المنطقة وإمكانية حدوث مقاومة شعبية في المنطقة لأي عملية توسعية جديدة في الداخل السوري، مع إمكانية أن تنفذ قوات الاحتلال خلال الأيام القليلة القادمة عمليات مداهمة في محيط "حوض اليرموك"، الذي كانت قد مشطت قراه بالفعل عدة مرات بحثاً عن الأسلحة والذخائر، وتبدو عمليات القصف التي نفذتها قوات الاحتلال مؤخراً على قرية "عابدين"، بعد حدوث اشتباك مع مجموعة من شبان المنطقة أثناء عملية توغل للاحتلال في المنطقة، مؤشراً على إن إسرائيل ستلجأ لسياسة "العقاب الجماعي"، لأي قرية يصدر من محيطها إطلاق نار باتجاه القوات الإسرائيلية، وهذا يذكر بما حدث في قرية "كويا"، خلال شهر كانون الأول من العام الماضي، إذ حدث حينها اشتباك بين شبان من المنطقة وقوة تابعة للاحتلال ليرد الأخير بقصف مدفعي عشوائي على القرية ما تسبب حينها بحركة نزوح للسكان باتجاه القرى القريبة ومناطق أكثر بعداً عن "المنطقة العازلة".
لكن هل تبدو المسألة فعلياً مرهونة بمحاولة توسيع المنطقة العازلة لجهة الحسابات الأمنية الإسرائيلية؟
الجواب على هذا السؤال يأتي من فهم الطبيعة الاقتصادية للمنطقة، والتي تحتوي على مساحات زراعية واسعة وهامة جداً في حسابات الأمن الغذائي السوري، ومع فهم أن عدد سكان الكيان الإسرائيلي زاد بما من 6.1 مليون نسمة في العام 2000 إلى 10.25 مليون نسمة في العام 2026، وما تعانيه حكومة الكيان من خسائر القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية وتراجع عائدات هذا القطاع بشكل حاد، مع اضطرارها لزيادة كمية الاستيراد من المواد الأساسية خاصة القمح الذي شهد خلال العام 2025، تراجعاً في انتاجه خاصة في قطاع الشمال من الأراضي المحتلة، هكذا تبدو الأراضي الزراعية في مناطق الجنوب السوري الممتدة من ريف دمشق الجنوبي الغربي وصولاً إلى أراضي محافظة درعا وخاصة في محيط حوض اليرموك حلاً بالنسبة للاحتلال ليوازن عجز إنتاجه الزراعي وتلبية الاحتياجات المحلية، مع الإشارة إلى أن السيطرة على منابع المياه العذب والسدود المنشأة في مناطق الجنوب السوري تبدو في الحسابات الإسرائيلية "غنيمة مجانية"، يمكن من خلالها زيادة تأمين الاحتلال لما يحتاجه من مياه الشرب من مصادر أقل تكلفة من تحلية مياه البحر، إذ تقول الأرقام أن الكيان يحتاج لـ 2.4 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، يعتمد فيها على "بحيرة طبرية – نهر الأردن"، وآبار في الشمال والمناطق الجبلية لكن تحلية مياه البحر تؤمن ما نسبته 80% من مياه الشرب، إضافة إلى عمليات إعادة تدوير مياه الصرف الصحي لتأمين عمليات الري، ومع معرفة أن المنطقة التي تنتشر فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية تحتوي على عدد كبير من السدود من بينها "سد عابدين"، يفهم أن الاحتلال يضع قرية عابدين والمناطق القريبة منها ضمن خارطة التوسع للسيطرة على واحد من أهم سدود المنطقة بشكل نهائي.
لا يبدو الحديث عن ربط محافظة السويداء بأراضي الجولان السوري المحتل أمراً سهلاً بالنسبة لإسرائيل، وحديث وسائل الإعلام عن مثل هذا السيناريو يأتي من باب التكهنات لا أكثر، فالمسألة تحتاج لأن تحتل إسرائيل كامل محافظة درعا أو الجزء الجنوبي منها على الأقل، وفي مثل هذه الحالة لن يكون الأثر على سوريا لوحدها، إذ تعني الخطوة في حال حدوثها أن إسرائيل ستسيطر على المعابر البرية مع الأردن، وبالتالي ستخضع عمليات النقل التجاري من تركيا ولبنان وسوريا من جهة، والأردن والمجموعة الخليجية من جهة لسيطرة مباشرة من قوات الاحتلال، وبالتالي قد يكون الأمر حاضراً في الرغبات الإسرائيلية لكن من الصعب أن تذهب نحو تنفيذه لما ستواجه من ضغوط دولية
تمنع حدوث مثل هذا الأمر، وهذا ما سيجعل التركيز الإسرائيلي يكون على توسيع ما تسميه بـ "المنطقة العازلة"، قدر الإمكان والسيطرة على المزيد من القرى في المنطقة مع التوسع في منطقة "جبل الشيخ"، ومحاولة السيطرة النهائية على القرى الواقعة فيه بحجج تراوح بين حماية الأقليات التي تقطن المنطقة كالدروز والمسيحيين والشركس، وحجج أمنية أخرى، ولا يبدو أن إسرائيل في أي اتفاق أمني مع الجانب السوري ستذهب نحو التفكير بالعودة إلى خطوط 7 كانون الأول من العام 2024.






