في ظل الضغوط التضخمية الممتدة وتراجع القوة الشرائية للعملة، يعود إلى الواجهة النقاش حول جدوى حذف صفرين من الليرة السورية والإصدار النقدي الجديد، وسط تساؤلات عن قدرة هذه الإجراءات على تحسين كفاءة النظام النقدي، ومعالجة اختلالات التسعير، وتوفير الفئات الصغيرة التي يحتاجها السوق يومياً.
ورغم أن تجارب الدول تُظهر أن إعادة هيكلة العملة قد تسهم في تبسيط العمليات النقدية، إلا أن فعاليتها تبقى مشروطة باستقرار اقتصادي حقيقي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن وفق المؤشرات الرسمية.
تحسن شكلي أم خطوة نقدية؟
يؤكد الخبير المصرفي أنس فيومي لـ Syria One أن الهدف الأساسي من حذف صفرين هو تبسيط العمليات الحسابية والمحاسبية وتحسين كفاءة المدفوعات، وليس معالجة التضخم، مشيراً إلى أن هذا الإجراء لا ينعكس على القوة الشرائية للعملة ما لم يكن مدعوماً بسياسة نقدية منضبطة واستقرار في الأسعار وسعر الصرف، وهو ما لم يتحقق خلال الفترة السابقة، لذلك بقيت الخطوة أقرب إلى تغيير شكلي لا يحمل أثراً اقتصادياً ملموساً.
غياب فئة 5 ليرات وندرة 10 ليرات
فيومي أوضح أن تراجع القيمة الشرائية للفئات الصغيرة جعل تكلفة إنتاجها وتداولها أعلى من قيمتها الفعلية، ما دفع المصرف المركزي للتركيز على الفئات الأكثر استخداماً، موضحاً أن هذا الغياب خلق فجوة حقيقية في التعاملات اليومية، لأن كثير من الأسعار وأجور النقل تحتاج إلى وحدات نقدية صغيرة لضبط عمليات الدفع بدقة.
وتابع فيومي بأن غياب الفئات الصغيرة دفع السائقين والركاب إلى التقريب صعوداً أو هبوطاً، ما تسبب بخلافات يومية وأوجد حلولاً فردية تقلل من هيبة العملة، مثل تداول قطعة بسكويت بدلاً من الفراطة، مشيراً إلى أن معالجة المشكلة تتطلب إعادة هيكلة نقدية واسعة أو التوسع في الدفع الإلكتروني لضمان الدفع بالقيمة الدقيقة دون الحاجة إلى فئات معدنية صغيرة.
تضخم تقريبي غير معلن
هذا فيما يقول فيومي لـ Syria One إن غياب الفئات الصغيرة لا يقتصر أثره على النقل، بل يمتد إلى الأسواق، حيث يضطر التجار إلى تقريب الأسعار دائماً نحو الأعلى، ومع تكرار هذه العملية على ملايين المعاملات اليومية ينشأ ما يسميه فيومي "التضخم التقريبي"، وهو تضخم ناتج عن آلية التسعير وليس عن زيادة الكتلة النقدية.
مؤشرات اقتصادية لا شكل الورقة
يشدد فيومي على أن الثقة بالليرة لا تُقاس بتصميم الإصدار الجديد، بل بـ استقرار سعر الصرف، انخفاض التضخم، استقرار الأسعار، وتراجع الدولرة.
ويشير إلى أن ضعف الثقة كان أحد أسباب تأخر المواطنين في استبدال الأوراق النقدية، إضافة إلى قصور في عملية التبديل في المحافظات الشرقية والمدن البعيدة.
السيولة.. تحسن جزئي لا يعالج جذور المشكلة
الخبير المصرفي ذكر أن الإصدار الجديد ساهم في تخفيف جزء من مشكلة نقص الأوراق النقدية، لكنه لم يعالج جذور أزمة السيولة، إذ بقيت القيود على التداول قائمة مقابل ضعف الإنتاج والاستثمار، حيث أكد فيومي أن حل الأزمة يحتاج إلى إدارة متوازنة بين توفير النقد اللازم للنشاط الاقتصادي وبين تجنب الضغوط التضخمية.
توزيع الفئات الصغيرة
وفيما يخص نجاح الإصدار النقدي، بين فيومي أنه يتطلب نظاماً فعالاً لتوزيع الفئات المختلفة على المحافظات وفق احتياجاتها الفعلية، مع رقابة مستمرة لمنع الاحتكار وسوء التوزيع، ومتابعة دورية لاحتياجات الأسواق، فالكفاءة النقدية لا تُقاس بحجم السيولة فقط، بل أيضاً بتوافر الفئات المناسبة التي تضمن سهولة التعاملات اليومية في المدن والمناطق كافة.
بالنتيجة فإن الإصدار النقدي الجديد وحذف الصفرين قد يسهّلان العمليات الحسابية، لكنهما لا يشكلان علاجاً للتضخم ولا بديلاً عن استقرار اقتصادي شامل.
ومع استمرار غياب الفئات الصغيرة وتذبذب السيولة، تبقى الحاجة ملحّة لإعادة هيكلة نقدية متكاملة، وربط السياسة النقدية بأداء اقتصادي فعلي يعيد الثقة بالليرة ويضمن كفاءة النظام النقدي في السوق السورية.






