لميس الحسين
كان يكفي أن تمشي في شوارع دمشق صبيحة أيام العيد، لتشعر بالتخمة فقط من رائحة القهوة المنبعثة من المنازل.. و "بيحلى عقلبك" فقط من الضيافة التي تُغدق عليك مع مرورك بين بيت ومحل ومحمصة.. ويبقى في ذاكرتك أن العيد في دمشق حلو المذاق مثل "قضامة بسكر"!
وبعد أن جاءت السنوات العجاف، تغير المشهد، فمرتبة الموالح والمكسرات والبن تدنت أكثر حتى من مرتبة كماليات، لتصبح "ذكريات".
"عطيني وقية"
الأسعار المرتفعة دفعت كثيراً من العائلات إلى إعادة حساباتها، فالمواد التي كانت جزءاً من طقوس العيد، تحوّلت تدريجياً إلى كماليات ينالها من استطاع إليها سبيلاً، وصار الفقر واضحاً في سلوك الشراء، حيث حلت الأوقية محل الكيلو، والرمزية بديلاً عن الوفرة.
وتُظهر جولة على أسعار الموالح في دمشق أن الأوقية الواحدة أصبحت عبئاً على ميزانية الأسرة، فقد تراوحت الأوقية من الفستق العبيد بين 7 و 10 آلاف ليرة، بينما وصل سعر وقية الجوز النيء إلى 17 ألف ليرة، والقضامة بين 10 و16 ألف ليرة، فيما قفزت وقية الذرة إلى 33 ألف ليرة في بعض المحال.
"دهب" مشكل!
يقول أحمد السعد صاحب محمصة في أحد أحياء دمشق لـ Syria One إن حركة البيع هذا العام لا تشبه أي عام سابق، فالمحال "عم تشتغل على الواقف" بحسب تعبيره، ويكمل موضحاً "الزبون يدخل وهو متردد، يسأل عن السعر أكثر مما يسأل عن النوع، ثم يطلب أوقية أو نصف أوقية، وكأنه يشتري شيئاً ثميناً لا ضيافة بسيطة للعيد"، مشيراً إلى أن بعض الأصناف، مثل الكاجو والفستق الحلبي الممتاز، باتت تُعرض أكثر مما تُباع، لأن أسعارها تجاوزت قدرة معظم الناس.
ومن خلال جولة لـ Syria One على محامص في مناطق مختلفة من دمشق، بلغ سعر أوقية اللوز النيء 19 ألف ليرة، بينما وصل اللوز المدخن إلى 55 ألف ليرة، والكاجو تدرج بين 20 و55 ألف ليرة،
وتستمر الأسعار بالصعود مع الفستق الحلبي الذي يتراوح بين 24 و62 ألف ليرة، والبندق وصل إلى 35 ألفاً، في حين تتفاوت أسعار الخلطات الجاهزة بين 40 و50 ألفا ليرة حتى الأصناف الشعبية مثل البزر والقراميش لم تعد في متناول الجميع، إذ تتراوح أسعارها بين 8 آلاف و16 ألفاً للأوقية.
صبوا القهوة ولا تزيدوها "هيل"
البن سجل بدوره ارتفاعاً واضحاً حيث وصل سعر الأوقية بدون هيل لـ 25 ألف ليرة للأوقية والوسط مع هيل لـ 26 ألف ليرة والإكسترا مع هيل لـ 36 ألف ليرة، فيما يتجاوز سعر كيلو القهوة في بعض المناطق التي تصنف بالراقية الـ 400 ألف ليرة.
كما ارتفع سعر التمر ليتراوح بين 27 و60 ألف ليرة للكيلو الذي قد يتجاوز سعره الـ 200 ألف لبعض الأنواع.
بحكم "العادة" لا غير!
ارتفاع بالأسعار لم يمرّ من دون أثر واضح على حركة السوق، فبحسب تقديرات أصحاب المحامص، تراجع الإقبال مقارنة بالعام الفائت بنسبة كبيرة، إذ باتت العائلات تشتري كميات صغيرة جداً، غالباً بهدف الحفاظ على طقوس العيد لا أكثر والاستمرار بهذه العادة القديمة ولو بمقدار خجول.
وتشير تقديراتهم إلى أن الأسعار ارتفعت هذا العام بنسبة تتراوح بين 25% و40% مقارنة بالعام الماضي، تبعاً لنوع المادة وتكلفة استيرادها أو إنتاجها.
وعن اختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى، أكد الباعة أن السبب يعود لنوع المادة المطروحة، لأن أغلب الموالح والمكسرات تقسم لأنواع (أول، إكسترا، ثان وثالث)، إضافة للمنطقة التي تباع بها (شعبية أو راقية)، بالإضافة لتكلفتها العالية من كهرباء ومحروقات وأجور نقل وإيجار المحال والعمال، والتي تعدّ من أهم العوامل في تحديد الأسعار.
وبين "الإكسترا" و "النخب الثالث".. أصبحت عادات السوريين نخب عاشر.. وها هي الكماليات تُشطب وتأخذ في طريقها الضروريات.. حتى في أكثر المناسبات ارتباطاً بالفرح!






