أعلن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري عمر الحصري، أمس الأربعاء، 16 أيلول /سبتمبر، عن حصول إدارة الامتثال والجودة في الهيئة على شهادة الآيزو 9001 لنظام إدارة الجودة باعتماد أمريكي، لتكون أول جهة حكومية في سوريا تحصل على هذه الشهادة بعد التحرير.
وأكد الحصري، أن الحصول على الشهادة يمثل خطوة مهمة في تطوير العمل المؤسسي، وتنظيم سير العمل وفق أعلى معايير الجودة والامتثال، مشيراً إلى أن إدارة الجودة والامتثال تعمل وفق خطة وخارطة طريق واضحة لتطبيق هذه المعايير في مختلف الإدارات الخدمية والتشغيلية، ومنها إدارات السلامة والنقل الجوي وأمن الطيران، بحسب وسائل إعلام رسمية.
أهمية الخطوة
يقول الكاتب والمحلل السياسي والاقتصادي ميلاد الأطرش في تصريح لـ Syria One: "ليست كل الشهادات متساوية في دلالاتها، وبعضها لا يُقاس بقيمة الورقة التي تحملها، بل بما يمكن أن تغيّره في طريقة عمل المؤسسة، وحين تحصل إدارة الامتثال والجودة في الهيئة العامة للطيران المدني على شهادة ISO 9001 لنظام إدارة الجودة باعتماد أمريكي، فإن أهمية الخطوة لا تتوقف عند حدود الهيئة أو قطاع الطيران، والرسالة الأوسع تتعلق بسؤال أكثر أهمية: هل تبدأ المؤسسات السورية بالانتقال من مرحلة إعادة تشغيل الدولة إلى مرحلة إعادة بناء طريقة عملها؟
في قطاع يرتبط مباشرة بحركة المسافرين والتجارة والسياحة والاستثمار والاتصال بالعالم، تصبح جودة الإدارة جزءاً من جودة الدولة نفسها، وتحمل ISO 9001 كل هذه الدلالة، لأن عبارة "نظام إدارة الجودة" تقنية وبعيدة عن الحياة اليومية، لكنها في جوهرها تتعلق بسؤال بسيط: كيف تضمن المؤسسة أن عملها لا يعتمد على الاجتهاد الشخصي، وإنما على نظام واضح يمكن قياسه ومراجعته وتحسينه؟".
ولفت الأطرش، إلى أن معيار ISO 9001 يركز على بناء نظام لإدارة الجودة، من خلال تنظيم العمليات، وتحديد المسؤوليات، وتوثيق الإجراءات، وقياس الأداء، والتعامل مع حالات عدم المطابقة، ومراجعة النتائج، والتحسين المستمر، أي أن المؤسسة لا تكتفي بالقول إنها تقدم خدمة جيدة، بل تصبح مطالبة بامتلاك نظام يمكن من خلاله إثبات كيفية إدارة هذه الخدمة ومراقبة جودتها وتطويرها، متابعاً: "وهنا تحديداً تبدأ أهمية الخطوة السورية، من الشخص إلى المؤسسة.
واحدة من المشكلات التي تواجه الإدارة العامة في كثير من الدول هي ارتباط جودة العمل بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالنظام. مدير جيد قد يرفع الأداء، لكن تغييره قد يعيد المؤسسة إلى نقطة الصفر، أما المؤسسة التي تمتلك إجراءات واضحة وموثقة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات أداء، وآليات للمراجعة والتصحيح، فهي أكثر قدرة على الحفاظ على استمرارية العمل مهما تغير الأشخاص، وهذا جوهر التحول المؤسسي، فالدولة الحديثة لا تريد موظفاً يعرف ماذا يفعل فقط، بل تريد نظاماً يحدد كيف يجب أن يتم العمل، وكيف يُقاس، ومن يراجعه، وماذا يحدث عندما لا تتحقق النتيجة المطلوبة، ومن هنا تصبح شهادة الجودة جزءاً من بناء الذاكرة المؤسسية للدولة، لأن الطيران أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالمعايير الدولية".
ويضيف الأطرش: "الطائرة التي تصل إلى مطار سوري لا تأتي من فراغ؛ وراءها شركة طيران، ومطار، وجهات تنظيمية، وإجراءات تشغيلية، وأنظمة أمن وسلامة، وشبكة واسعة من العلاقات والاشتراطات الدولية، لذلك فإن بناء نظام إداري حديث داخل الجهة المنظمة للطيران المدني يحمل قيمة تتجاوز الإدارة الداخلية، إنه يعني أن المؤسسة بدأت تتحدث بلغة مفهومة في بيئة دولية تقوم أساساً على المعايير والإجراءات والتدقيق والامتثال، وهنا يجب التمييز بدقة: الحصول على ISO 9001 لا يعني بحد ذاته الحصول على شهادة سلامة جوية، ولا يحل محل المعايير الفنية والأمنية الخاصة بالطيران، لكنه يعزز نظام إدارة الجودة داخل المؤسسة، وهو عنصر مختلف ومكمل للمنظومة التنظيمية الأوسع".
ويذكر الأطرش أن الحصول على شهادة إدارية كهذه، لا يعني أن نتائجها ستظهر في اليوم الأول، بل عندما تصبح الإجراءات أوضح، والخدمات أكثر انتظاماً، ومسارات العمل محددة، وأسباب التأخير قابلة للرصد، والشكاوى قابلة للتحليل، والأخطاء قابلة للتصحيح، الجودة هنا ليست ابتسامة موظف أو سرعة معاملة فقط، الجودة هي أن يكون هناك نظام يعرف أين يمكن أن يحدث الخلل قبل أن يتحول إلى مشكلة، ويعرف كيف يقيس أداءه بعد تقديم الخدمة، متابعاً: "وهذا هو الفارق بين مؤسسة تعمل، ومؤسسة تدير أداءها".
الاعتماد الأمريكي.. بُعد آخر في القصة
الإشارة إلى أن الشهادة جاءت باعتماد أمريكي ليست تفصيلاً هامشياً، بحسب ما أكده الأطرش، ليتابع: "فقيمة شهادة الجودة ترتبط أيضاً بجهة إصدارها واعتمادها، وبعملية التدقيق التي سبقت منحها، وبقدرة المؤسسة على المحافظة على المتطلبات التي حصلت بموجبها على الشهادة، وفي قطاع مثل الطيران، حيث تتقاطع المؤسسات الوطنية مع شركات ومطارات وجهات تنظيمية دولية، تصبح قابلية المؤسسة للتعامل مع أنظمة ومعايير مفهومة دولياً عاملاً مهماً في بناء الثقة المؤسسية، وهنا تبرز أهمية الخطوة في سياق أوسع: إعادة وصل المؤسسات السورية بالبيئة الدولية ليس عبر الخطاب فقط، وإنما عبر تطوير أدوات العمل نفسها".
الطيران ليس مجرد نقل جوي
إعادة بناء قطاع الطيران تعني أكثر من إعادة حركة الطائرات، وفق ما أوضحه الأطرش، فالطيران يرتبط بالسياحة، والتجارة، والشحن، والاستثمار، وحركة رجال الأعمال، وربط سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية، وكلما كانت البيئة التنظيمية أكثر وضوحاً وانضباطاً وقابلية للقياس، أصبحت قدرة القطاع على جذب الشركاء والتعامل مع المؤسسات الدولية أكثر ارتباطاً بقواعد واضحة لا بالأمزجة والاجتهادات، ليضيف: "لهذا يمكن النظر إلى تطوير أنظمة الجودة باعتباره جزءاً من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد، فالطرق والمطارات والموانئ بنية تحتية مادية، لكن الأنظمة والإجراءات والمعايير هي البنية التحتية التي تجعل هذه المنشآت قادرة على العمل بكفاءة".
وتساءل الأطرش: هل تنتقل التجربة إلى مؤسسات أخرى؟ قائلاً: "ربما يكون هذا هو السؤال الأهم بعد الإعلان عن الشهادة، إذا بقيت ISO 9001 إنجازاً خاصاً بإدارة واحدة، فستبقى قيمتها محدودة، أما إذا تحولت التجربة إلى نموذج تستفيد منه مؤسسات حكومية أخرى، فنحن أمام مسار مختلف تماماً، مؤسسات تقيس أداءها، تراجع إجراءاتها، توثق عملياتها، تحدد مسؤولياتها، تستمع إلى المتعاملين معها، وتضع التحسين المستمر جزءاً من طريقة عملها، عندها لا يعود الحديث عن شهادة الآيزو بحد ذاته مهماً، بل عن ثقافة إدارية جديدة يمكن أن تتوسع من مؤسسة إلى أخرى".
الشهادة ليست خط النهاية
ويتابع الأطرش: "هنا تكمن النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الاحتفاء بالإنجاز، فالحصول على الشهادة هو بداية الاختبار الحقيقي، وليس نهايته، فالاختبار ليس في الحصول على الاعتماد، وإنما في الحفاظ على النظام، والاستمرار في المراجعة، ومعالجة الثغرات، وتحسين الأداء، وتحويل الإجراءات المكتوبة إلى ممارسة يومية، والأهم أن يشعر المواطن والمتعامل مع الهيئة بالنتيجة، فالمعيار الحقيقي لأي نظام جودة ليس ما تقوله الشهادة، وإنما ما الذي تغيّر على أرض الواقع بعد الشهادة"، مضيفاً: "في مرحلة إعادة بناء سوريا، تحتاج الدولة إلى أكثر من تغيير الهياكل والأسماء.. تحتاج إلى تغيير طريقة إنتاج القرار والخدمة والأداء، وهذا يبدأ من تفاصيل تبدو أحياناً إدارية وتقنية، لكنها في الحقيقة تشكل الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، من الاجتهاد إلى الإجراء، من الانطباع إلى القياس، من معالجة الخطأ إلى الوقاية منه، من ارتباط المؤسسة بالأشخاص إلى ارتباطها بالنظام، ومن إدارة المرفق العام باعتباره أمراً واقعاً إلى إدارته باعتباره خدمة لها معايير قابلة للقياس والمراجعة.
لهذا، فإن حصول إدارة الامتثال والجودة في الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي على ISO 9001 يمكن قراءته باعتباره أكثر من شهادة جودة، بحسب الأطرش، إنه اختبار لنموذج جديد في الإدارة العامة السورية.
وختم المحلل السياسي والاقتصادي، كلامه قائلاً: "إعادة بناء الدولة لا تبدأ دائماً من القرارات الكبرى التي تتصدر العناوين، أحياناً تبدأ من إجراء إداري لا يراه المواطن، ومن نموذج عمل لا يظهر على شاشة الأخبار، ومن مؤسسة تقرر أن كل عملية يجب أن تكون قابلة للقياس، وكل خطأ قابل للتصحيح، وكل خدمة قابلة للتحسين، وهنا تكمن أهمية خطوة الطيران المدني، فالدولة التي تريد أن تكون جزءاً من العالم لا يكفي أن تفتح أبوابها للعالم؛ عليها أيضاً أن تجعل مؤسساتها قادرة على العمل بالمعايير التي يفهمها العالم، ومن مطارٍ يُعاد تشغيله، إلى مؤسسةٍ تُعيد تنظيم طريقة عملها، تتشكل ملامح التحول الحقيقي، لأن إعادة الإعمار لا تعني فقط أن تعود الدولة إلى العمل.. بل أن تعود وهي تعمل بطريقة مختلفة".






