سياسي

اللامركزية السورية.. هل تراها واشنطن مخرجًا سياسياً أم مخاطرة مؤجلة؟

202
اللا مركزية في سوريا


في كل مرة يُطرح فيها ملف اللامركزية في الشرق الأوسط، تعود واشنطن إلى الواجهة بصفتها لاعبًا لا يمكن تجاهل موقفه، لكن من دون أن تقدّم إجابة حاسمة. فهل تدعم الولايات المتحدة اللامركزية كنموذج للحكم، أم أنها تتعامل معها بحذر شديد بعد تجارب إقليمية مكلفة؟ التصريحات الأميركية الأخيرة، ولا سيما الصادرة عن مبعوثيها ودوائرها الدبلوماسية، تكشف بوضوح أن واشنطن لا ترى في اللامركزية وصفة جاهزة، بل خيارًا إشكاليًا تحكمه الشروط والسياقات.

خلال الأشهر الماضية، شدد مسؤولون أميركيون، في أكثر من مناسبة إعلامية ودبلوماسية، على أن الولايات المتحدة لا تروّج لنموذج حكم محدد، سواء كان فيدراليًا أو لامركزيًا، في دول تعاني من نزاعات داخلية. هذا الخطاب لا يعكس ترددًا بقدر ما يعكس استخلاصًا لنتائج تجارب سابقة في المنطقة، حيث فُرضت صيغ حكم لامركزية أو شبه فيدرالية دون توافق وطني، فأسهمت في تعميق الانقسامات بدل احتوائها.

من المنظور الأميركي، ترتبط اللامركزية بثلاثة أسئلة مركزية:
هل تحظى بقبول داخلي واسع؟
هل تُنتج مؤسسات قادرة على الحكم؟
وهل تساهم في الاستقرار أم تفتح الباب أمام التفكك؟

الإجابة عن هذه الأسئلة، وفق الخطاب الأميركي، لا يمكن أن تأتي من الخارج. لذلك تكرر واشنطن أن الاستقرار لا يُبنى على نماذج مستوردة، بل على قدرة المجتمعات المحلية على التوصل إلى صيغ حكم تتناسب مع تاريخها وتركيبتها الاجتماعية والسياسية.

في السياق السوري تحديدًا، تعكس تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا حذرًا واضحًا من الدفع باتجاه الفيدرالية أو اللامركزية السياسية كحل نهائي. فواشنطن، التي تدير وجودًا عسكريًا محدودًا شرق البلاد، تفصل بوضوح بين الملف الأمني وشكل النظام السياسي المستقبلي. دعمها لقوى محلية أو هياكل إدارية مؤقتة لا يعني تبنيها مشروعًا سياسيًا دائمًا، بل يندرج ضمن إدارة الواقع القائم ومنع الفراغ.

في المقابل، تظهر داخل المؤسسات الأميركية نفسها تباينات في المقاربة. فبعض أعضاء الكونغرس ومراكز التفكير يرون في اللامركزية وسيلة لاحتواء التنوع العرقي والديني ومنع عودة الاستبداد المركزي، بينما تحذر دوائر تنفيذية وأمنية من أن اللامركزية غير المنضبطة قد تتحول إلى منصة لصراعات نفوذ، أو إلى خطوة أولى نحو التقسيم الفعلي.

إقليميًا، تأخذ واشنطن في الحسبان حساسية حلفائها، خاصة الدول التي ترى في أي حديث عن اللامركزية تهديدًا لوحدة أراضيها. لذلك تتجنب الإدارة الأميركية استخدام مصطلحات حادة، وتستعيض عنها بلغة أكثر مرونة مثل “الحوكمة المحلية”، “الإدارة المجتمعية”، و“التوافق الوطني”.

إذاً فالموقف الأميركي من اللامركزية ليس دعمًا ولا رفضًا مطلقًا، بل مقاربة حذرة قائمة على التجربة لا التنظير. اللامركزية، من وجهة نظر واشنطن، ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة قد تنجح في سياق وتفشل في آخر. وما لم تنبع من إرادة داخلية وتوافق وطني حقيقي، فإنها قد تتحول من حل محتمل إلى عبء سياسي جديد.

في عالم ما بعد النزاعات، تبدو الرسالة الأميركية واضحة، ومفادها لا نماذج جاهزة، ولا حلول سريعة، بل مسارات طويلة تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها.


مقالات ذات صلة

الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

يزداد الخلاف ويتسع داخل الحركة المحافظة الأمريكية ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، قبل أقل من 3 أشهر على انتخابات التجديد النصفي، بعدما انتقلت الاعتراضات على حرب إيران من أصوات متفرقة إلى محاولة أكثر وضوحا
18
عراقجي حول التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة.. دليل على اليأس

عراقجي حول التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة.. دليل على اليأس

رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التهديد بفرض عقوبات أمريكية جديدة ووصفه بأنه دليل على اليأس، قائلا اليوم الأحد إن الإجراءات المتوقعة لن تفلح في هزيمة طهران
20
القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

انطلقت اليوم الأحد أعمال القمة السورية للأمن السيبراني 2026 بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص سوري وعربي وأجنبي، وذلك افتراضياً عبر منصة رقمية تفاعلية ‏مخصصة للمشاركين
60
دير الزور في المرتبة الأولى.. الصحة: نسبة المدخنين تتجاوز الـ 62% في سوريا!

دير الزور في المرتبة الأولى.. الصحة: نسبة المدخنين تتجاوز الـ 62% في سوريا!

كشف مصدر بوزارة الصحة السورية، عن وجود نسب مرتفعة في سوريا في التدخين، تتجاوز 62,8% من المواطنين وفق المسح الوطني الذي جرى مؤخراً.
72
ضحايا جراء حوادث سير وحرائق في سوريا خلال الـ24 ساعة الماضية

ضحايا جراء حوادث سير وحرائق في سوريا خلال الـ24 ساعة الماضية

توفي شخصان وأصيب أكثر من 18 آخرون إثر حوادث سير وحرائق، ‏وقعت في مناطق مختلفة من سوريا خلال الـ24 ساعة الماضية.
69
سيرياون إعلان 7