تعاني دمشق من أزمة مياه رغم تحسن الهطولات المطرية خلال الموسم الماضي، ويعود ذلك لجملة من الأسباب.
رغم تحسن الهطولات المطرية خلال الموسم الماضي، لا تزال ساعات تقنين المياه الطويلة تفرض نفسها على سكان دمشق، في مفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: لماذا لم ينعكس الموسم المطري الجيد على واقع التزود بالمياه؟
يؤكد مختص البيئة والموارد المائية الدكتور موفق الشيخ علي، في حديثه لـ Syria One، أن الموسم المطري الجيد وحده لا يكفي لإعادة التوازن المائي، موضحاً أن دمشق تعتمد على ما يُعرف علمياً بـ"حوض دمشق"، وهو حوض مائي مغلق يضم نهري بردى والأعوج وروافدهما، إضافة إلى مجموعة من الينابيع، أبرزها نبع الفيجة.
حيث يشير الشيخ علي إلى أن الموسم المطري الأخير جاء ضمن المعدلات الطبيعية التي تسمح عادة بالحفاظ على التوازن بين الوارد المائي والاستهلاك، لكن العام المطري السابق (2024-2025) شهد ظروفاً استثنائية، ليس بسبب الجفاف فقط، وإنما نتيجة الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها الموارد المائية.
ويوضح أن عودة السوريين المهجرين إلى دمشق وريفها، بالتزامن مع موجة هجرة داخلية من محافظات أخرى، رفعت الطلب على المياه بشكل كبير، كما أدى استئناف النشاط الزراعي إلى انتشار الحفر العشوائي للآبار، في وقت لجأت فيه الجهات المعنية إلى ضخ المصادر المائية بصورة مكثفة لتأمين مياه الشرب خلال الصيف، ما أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي ووصوله إلى مستويات حرجة، لم يتمكن الموسم المطري اللاحق من تعويضها.
كما يؤكد أن فهم الأزمة يتطلب النظر إليها بوصفها نتيجة تداخل عدة عوامل، لا سبباً واحداً فقط، فيما يحدد ثلاثة عوامل رئيسية مرتبطة، أولها التغيرات المناخية، التي لم تقتصر على تراجع الهطولات الثلجية وارتفاع درجات الحرارة، بل شملت أيضاً تغير نمط الأمطار، إذ أصبحت تهطل بغزارة خلال فترات قصيرة، ما يؤدي إلى جريانها على شكل سيول تقلل من تغذية المياه الجوفية.
أما العامل الثاني فهو الكثافة السكانية، إذ تخدم شبكة مياه دمشق وريفها نحو ثلاثة ملايين نسمة، ما يتطلب تأمين نحو 300 ألف متر مكعب من المياه يومياً وفق معدلات الاستهلاك المعتمدة.
ويضيف أن العامل الثالث يتمثل في الهدر، سواء داخل الشبكة أو في الاستهلاك المنزلي، مشيراً إلى أن الفواقد الفنية في شبكة المياه تُقدّر، وفق الأرقام المتفائلة، بين 35 و40%، نتيجة تقادم الشبكات والأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب، فضلاً عن ممارسات استهلاكية يصفها بأنها تفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، بدءاً من إهمال إصلاح التسريبات المنزلية، وصولاً إلى الاستخدام غير الرشيد للمياه في المنازل والأنشطة التجارية.
ويلفت أيضاً إلى أن القطاع الزراعي في ريف دمشق يستهلك أكثر من 85% من الموارد المائية، معتبراً أن إعادة ترتيب أولويات المحاصيل الزراعية أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها.
وحول الحلول، يرى الشيخ علي أن الاعتماد على حملات التوعية وحدها لم يعد كافياً، مشيراً إلى أن الحديث عن ترشيد الاستهلاك مستمر منذ عقود دون نتائج ملموسة، بينما يقترح ربط الاستهلاك بتعرفة تصاعدية تعكس الكلفة الحقيقية لإنتاج المياه، موضحاً أن انخفاض أسعار المياه أدى إلى عجز مالي لدى مؤسسات المياه، انعكس على قدرتها في تنفيذ أعمال الصيانة وضمان استدامة الخدمة، مع إقراره بأن أي تعديل في الأسعار يحتاج إلى موازنة بين حماية المستهلك واستمرار الدعم الحكومي.
ينهي الشيخ علي كخلاصة، أن مواسم الأمطار الجيدة، مهما بلغت غزارتها، لن تكون كافية وحدها لضمان الأمن المائي في دمشق، ما لم تترافق مع إدارة أكثر كفاءة للموارد، وتقليل الفواقد الفنية، وضبط الهدر، وإعادة ترتيب أولويات استخدام المياه بين القطاعات المختلفة، إلى جانب التوسع في معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي والبحث عن موارد مائية غير تقليدية، ضمن تخطيط تنموي يخفف الضغط السكاني على العاصمة ويعزز الإدارة المستدامة للموارد المائية.






