تُعدّ مادة الأسمنت الركيزة الأولى لأي حركة استثمارية أو عمرانية تشهدها البلاد. وفي وقت تواجه فيه الصناعات الثقيلة تحديات ترتبط بتأمين مستلزمات التشغيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، تبرز حاجة السوق إلى استثمارات واسعة قادرة على تغطية الطلب المحلي وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة.
وفي هذا السياق، أكد علي الدباس، مدير شركة "إسمنت الشمالية" في سورية—التابعة لمجموعة إسمنت الشمالية السعودية المساهمة العامة—في تصريح خاص وموسع لـ Syria One، التزام الشركة برؤيتها الاستراتيجية وتوسيع استثماراتها في السوق المحلية، مشيراً إلى أن الشركة تبوأت وفي فترة قياسية موقع ثاني أكبر منتج محلي للأسمنت في البلاد.
وأوضح الدباس في حديثه لـ Syria One أن استراتيجية الشركة لا تقتصر على سد حاجة السوق الراهنة، بل تستهدف التحول الكامل نحو الإنتاج المحلي لمادة "الكلنكر"، والاستغناء عن استيرادها لمطاحن الشركة، بما يغطي الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل لسورية.
شراكة مع القطاع العام وأول مصنع للأسمنت الأبيض
وعلى صعيد العمليات الميدانية، كشف مدير الشركة لـ Syria One عن اعتماد نموذج تشغيلي يمزج بين الشراكة الاستثمارية والابتكار الصناعي:
معمل عدرا الحكومي: عبر تعاون فني وتشغيلي مع شركة "عمران" التابعة لوزارة الصناعة، يسجل المعمل إنتاجاً شهرياً يصل إلى 80 ألف طن، مع توزيع نحو نصف مليون طن في السوق المحلية حتى الشهر التاسع من العام الجاري، اعتماداً على تشغيل الطواحين عبر استيراد الكلنكر من مصانع الشركة الأم في الأردن والسعودية.
مطحنة الأسمنت الأبيض بعدرا: باستثمار بلغت قيمته نحو 20 مليون دولار، تم تنفيذ أول مصنع للإسمنت الأبيض في سورية بوقت قياسي عقب التحرير مباشرة؛ حيث باشر المعمل الإنتاج والمبيعات بمعدل يصل حالياً إلى 9 آلاف طن شهرياً، يغطي 75% من طاقته الإنتاجية وفق متطلبات السوق.
خريطة التوسع: مشاريع مجمّعة بـ 250 مليون دولار
ورغم التحديات الميدانية، شدد الدباس في تصريحه لـ Syria One على تمسك الشركة بخططها التوسعية المعلنة؛ وعلى رأسها مشروع "أبو الشامات" الذي يعد مصنع إسمنت متكاملاً بخطّي إنتاج واستثمار تقدر مرحلته الأولى بحوالي 250 مليون دولار، حيث تعكف الشركة على دراسة الإجراءات التنفيذية تمهيداً للإعلان الرسمي عن المباشرة فور اكتمال التفاصيل الفنية. يضاف إلى ذلك مشروع توسعة مدينة عدرا الصناعية لزيادة إنتاج الإسمنت الأسود.
تحديات الطاقة والضرائب والبيئة التشريعية
وفي قراءة تحليليّة لواقع البيئة الاستثمارية، كشف مدير "إسمنت الشمالية" عبر منصة Syria One عن مجمل العقبات التي تضغط على هامش المنافسة وتسببت في خروج مصانع أخرى من السوق، مبرزاً أربعة ملفات حيوية تستدعي مراجعة تشريعية وإجرائية عاجلة:
أزمة الطاقة والوقود: غياب مخصصات مضمونة من الفيول والفحم والمستلزمات الطاقية—سواء بموافقات مسبقة أو عبر تهيئة البنية التحتية للمرافئ—يلقي العبء كاملاً على المستثمر دون ضمانات حماية تشغيلية.
الكوادر الفنية والإقامات: بالرغم من توطين الوظائف بنسب قياسية تجاوزت 99% في بعض المشاريع عبر دورات تدريبية سريعة، تجابه الشركة قيوداً إجرائية في منح الإقامات للخبراء الأجانب (خاصة الكوادر الصينية والمصرية) المطلوبة لإنشاء وتشغيل مشاريع الصناعة الثقيلة.
الفجوة الضريبية والبنكية: يفرض النظام الضريبي المحلي ضريبة دخل تصل إلى 20%، في حين تمنح دول الجوار (كمصر والأردن والعراق والإمارات) إعفاءات استثمارية تشجيعية تتراوح بين 50 و100% ولمدد لا تقل عن عشر سنوات، وهو ما يتطلب إعادة دراسة الأثر الاقتصادي لتحفيز المستثمرين على توطين رؤوس الأموال داخل سورية، إلى جانب تيسير التعاملات المصرفية.
كلف الإنتاج والنقل: أشار الدباس إلى أن سعر الإسمنت المحلي مقبول ومنافس إقليمياً، غير أن ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والضرائب يضيق هامش المنافسة ويعطي أفضليّة للمنتجات المستوردة.
رؤية مستقبليّة
واختتم الدباس تصريحه لـ Syria One بالتأكيد على تفاؤل "إسمنت الشمالية" بالتحديثات التشغيلية والتشريعية المرتقبة في سورية، معتمدة على قدرتها على المناورة وتأمين التوزيع الشامل في مختلف المحافظات السورية وفق حركة العرض والطلب.






