ما يزال موضوع رفع أسعار المشتقات النفطية متفاعلاً في الشارع السوري، وما يزال يلقي بظلاله على الحياة العامة بكل تفاصيلها.
ولعل ظن البعض بأنه موضوع سيأخذ المدى الافتراضي لأي موضوع يُطرح على السوشال ميديا وينتهي، لم يكن دقيقاً، لأن مفاعيل رفع الأسعار، وخاصة المازوت، تؤثر في الإنتاج وأسعار السلع والنقل وغيرها، وتزداد سوءاً بسبب تزامنها أيضاً مع ارتفاع سعر صرف الدولار، وما يؤدي إليه من تحولات داخل السوق السورية.
مجموعة من المختصين والأكاديميين وهم دكتورة الاقتصاد رشا سيروب والخبير محمد العلبي، والصحافي الاقتصادي جهاد يازجي، ناقشوا تفاصيل آلية تسعير المشتقات النفطية واحتكار الدولة لاستيراد المحروقات، وأثر ارتفاع الأسعار في القدرة الشرائية والإنتاج المحلي، إلى جانب دور صندوق النقد الدولي في السياسات الاقتصادية السورية في حلقة من برنامج "وسط البلد" على تلفزيون سوريا.
موقع Syria One رصد مواقف هؤلاء المختصين من الموضوع ليقدم رؤيتهم بشكل مكثف.
إيرادات النفط تثير تساؤلات بشأن دعم المحروقات
شككت الدكتورة رشا سيروب في إمكانية اعتماد الأسعار العالمية معياراً وحيداً لتسعير النفط السوري، موضحة أن تكلفة إنتاج النفط من الحقول السورية أقل بكثير من تكلفة إنتاجه عالمياً.
واستندت سيروب إلى بيانات الأداء المالي، مشيرة إلى أن إيرادات قطاع النفط بلغت نحو 70 مليون دولار خلال عام 2025 بأكمله، مقابل نحو 600 مليون دولار في النصف الأول من عام 2026.
ولفتت إلى أن بيانات الأداء المالي للنصف الأول من العام الجاري أشارت إلى بدء توريد الإيرادات النفطية في شهر أيار، ما دفعها إلى التساؤل عن طبيعة تسعير المحروقات خلال الأشهر الأربعة السابقة، معتبرة أن الأسعار كانت أعلى من التكلفة، وليست مدعومة وفق قراءتها للأرقام.
وأضافت سيروب أن الدولة قد تحقق إيرادات من بيع المحروقات التي تصفها بأنها مدعومة، معتبرة أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية محلياً تجاوز الزيادة المسجلة في أسعار النفط الخام عالمياً.
وأشارت سيروب إلى ارتفاع سعر النفط الخام عالمياً بنحو 40%، بينما الزيادة في أسعار المشتقات النفطية محلياً كانت أكبر، وحتى مقارنة بدول لا تقدم دعماً للمحروقات.
وتثير هذه التصريحات تساؤلات بشأن طريقة احتساب الدعم، وما إذا كانت الأسعار المحددة للمستهلك تعكس التكلفة الفعلية للإنتاج والاستيراد، أم تتضمن إيرادات إضافية للخزينة العامة ما يتطلب الكشف عن البيانات الحكومية بشفافية.
احتكار استيراد المحروقات يرفع تكاليف الصناعة
من جهته، انتقد الخبير الاقتصادي محمد العلبي احتكار الدولة استيراد المحروقات، ولا سيما الفيول الذي يشكل مدخلاً أساسياً في عدد من الصناعات، معتبراً أن هذه السياسة تضر بالإنتاج المحلي.
وقال العلبي إن سعر الفيول الذي يباع للصناعيين أعلى بكثير من السعر العالمي، بحسب تقديره، موضحاً أن احتكار الاستيراد يمنح الدولة قدرة على تحديد سعر البيع بعيداً عن المنافسة.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب التعرفة الجمركية وفتح الحدود أمام الاستيراد، عوامل أضرت بالصناعة السورية، متسائلاً عن مدى انسجام احتكار استيراد المحروقات مع التوجه نحو تحرير السوق.
وتطرق العلبي إلى القطاع الزراعي، مشيراً إلى تأخر دفع مستحقات مزارعي القمح، وقال إن ما دفع لم يتجاوز، وفق تقديره، نحو 25% من المستحقات، رغم ما وصفه بأنه موسم جيد للإنتاج.
المازوت والتدفئة يستنزفان دخول الأسر
حذرت الدكتورة رشا سيروب من انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات والنقل على الأسر السورية، وقدرت أن متوسط دخل الفرد في سوريا خلال عام 2026 يتراوح بين 112 و115 دولاراً شهرياً.
وقالت، إن شراء 100 لتر من المازوت للتدفئة خلال الشتاء قد يستهلك نحو 90% من هذا الدخل، وفق حساباتها، معتبراً أن الأسعار الحالية تزيد الأعباء المعيشية على المواطنين.
كما أشارت، إلى أن ارتفاع تكاليف النقل ينعكس على نفقات الأسر التي تضم موظفاً وطالباً جامعياً أو مدرسياً، مقدرة أن هذه الزيادة قد ترفع نفقات الأسرة بنحو 40%.
وانتقدت سيروب رفع الأسعار بهدف زيادة الإيرادات في ظل محدودية القدرة الشرائية، معتبرة أن القرارات الاقتصادية ينبغي أن تراعي قدرة المواطنين على تحمل تكاليف إضافية.
وفي الوقت نفسه، أشارت سيروب إلى أن الصعوبات التي تواجه الدولة في تأمين الكهرباء والخدمات لا تلغي الحاجة إلى توضيح الأرقام الفعلية للموازنة العامة، معتبرة أن من حق المواطنين معرفة الأسس المالية التي تستند إليها قرارات رفع الأسعار.
الصحفي الاقتصادي جهاد يازجي إلى ارتفاع سعر الخبز بنحو 12 ضعفاً، بالتزامن مع انخفاض وزن الربطة، فضلاً عن ارتفاع أسعار الكهرباء والمازوت. ولفت إلى أن نحو 90% من السوريين كانوا تحت خط الفقر، وفق بيانات الأمم المتحدة على حد قوله.
وقال يازجي إن الانتقادات لا تتجاهل الصعوبات التي تواجه الدولة في تأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة، أو التطورات الإيجابية، مثل رفع العقوبات وتسهيل التعامل بالدولار وتحسن الوضع الأمني، لكنه انتقد ارتفاع أسعار المازوت والبنزين والفيول من دون معرفة الأرقام الفعلية للموازنة العامة.
الإنفاق الحكومي وأولويات الموازنة العامة
وطرحت سيروب تساؤلات بشأن حجم الإنفاق التشغيلي والإداري للدولة مقارنة بالإنفاق الاجتماعي، مشيراً إلى أن النفقات التشغيلية والإدارية تتجاوز مليار دولار بقليل، وفق الأرقام التي ذكرتها خلال الحلقة.
وقدّرت كتلة الرواتب والأجور بنحو 1.3 إلى 1.4 مليار دولار، متسائلة عن مدى ملاءمة حجم النفقات الإدارية والتشغيلية لأولويات بلد خرج من حرب ويواجه تحديات اقتصادية ومعيشية.
وأوضحت سيروب أن هذه النفقات تشمل، بحسب الأمثلة التي أوردتها، وقود سيارات المسؤولين والمولدات والكهرباء والاتصالات ودهان المكاتب، معتبرة أن مراجعة أوجه الإنفاق ضرورية قبل تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية.
وأكدت الأكاديمية الاقتصادية أنه لا يمكن تبرير رفع الأسعار بنقص الموارد من دون توضيح حجم الموارد المتاحة وكيفية إنفاقها، داعياً إلى إتاحة بيانات مالية واضحة تسمح بتقييم أولويات الإنفاق الحكومي.
من جهته، قال العلبي، إن تراجع الاستهلاك لا يضر المواطنين وحدهم، بل ينعكس أيضاً على الدولة، معتبراً أن دعم محدودي الدخل، وخصوصاً الموظفين، يصب في مصلحة الاقتصاد.
وأضاف أن غياب الشفافية وصعوبة تكوين صورة واضحة عن الوضع المالي يجعلان تقديم المشورة الاقتصادية للمواطنين والحكومة أكثر تعقيداً.
هل يضغط صندوق النقد الدولي لرفع الدعم في سوريا؟
نفى العلبي أن يكون صندوق النقد الدولي يضغط على الحكومة السورية لرفع الدعم، موضحاً أن سوريا لم تدخل برنامجاً مع الصندوق.
وقال، إن مطالب الصندوق في المرحلة الحالية، تركز على توحيد البيانات، وتحسين دقة الإحصاءات، ووضع خطة ورؤية واضحتين، مشيراً إلى أن طبيعة الالتزامات تختلف عند دخول دولة في برنامج رسمي مع المؤسسة الدولية.






