لا يعني احتراق الغابة أن الحل يبدأ مباشرة بزراعة أشجار جديدة. ففي بعض المواقع، قد تكون الغابة قادرة على استعادة نفسها طبيعياً إذا توفرت فيها البذور أو الوحدات التكاثرية الكافية، بينما قد يؤدي التدخل المبكر إلى خسارة جزء من قدرة الأرض على التعافي.
هذا ما أكده الدكتور محمود العلي، اختصاص الغابات والحراج والبيئة في سوريا لـ Syria One، موضحاً أن الأولوية في المناطق الساحلية، حيث المناخ المعتدل وكميات الأمطار الجيدة، هي ترك المواقع المحروقة للتجدد الطبيعي ومراقبته وحمايته، عندما تكون الوحدات التكاثرية الموجودة فيها كافية لعودة الغطاء النباتي.
وأوضح العلي لـSyria One أن ذلك ينطبق خصوصاً على الغابات الصنوبرية التي وصلت أشجارها إلى مرحلة إنتاج المخاريط قبل الحريق، ما يسمح بوجود بذور قادرة على الإنبات بعده، وبذلك لا يفضل «سياسة التشجير التلقائي» للمواقع المحروقة، إلا في حالات خاصة، منها تكرار الحرائق في الموقع نفسه بصورة حالت دون وصول الغطاء النباتي إلى مرحلة النضج وإنتاج ما يكفي من الوحدات التكاثرية.
حين يصبح التشجير نفسه خطراً
بحسب العلي، فإن التسرع في تشجير الأراضي المحروقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمكن أن تتسبب عمليات تحضير الموقع للزراعة في انجراف التربة، فضلاً عن تأثيرها في التنوع الحيوي، ولا سيما النباتات التي تظهر موسمياً بعد الحريق، إضافة إلى هدر الموارد والجهد.
حيث يفضل العلي عموماً ترك الموقع للنبات الطبيعي، باعتباره الأكثر كفاءة في استغلال ظروف المكان، كونه نتاج تطور طويل داخل البيئة نفسها، مشيراً إلى أن الأنواع التي سيطرت على المواقع عبر فترات طويلة هي الأكثر تأقلماً مع مواردها وظروفها.
لكنه لا يعني ذلك برأيه استبعاد التدخل البشري تماماً، ففي بعض مواقع الصنوبر البروتي، يمكن إغناء الغطاء النباتي بأنواع أدخلت إلى البيئة السورية منذ عقود طويلة وثبت نجاحها وتأقلمها، مثل الأكاسيا مزرقة الورق والروبينيا، لما تتمتعان به من قدرة على النمو والتكاثر واحتلال المواقع الفقيرة، فضلاً عن مساهمتهما في تحسين خصوبة التربة من خلال تثبيت الآزوت الجوي تعايشياً مع بعض أنواع البكتيريا.
أما الصنوبر الثمري، فيشير العلي إلى أنه نوع متعدد الفوائد، لكنه حساس للحرائق والكلس، لافتاً إلى أن قسماً كبيراً من ترب المواقع الحراجية غني بالكلس، ما قد يؤدي إلى فشل زراعته بعد مرور فترة من الزمن.
التربة أولاً.. ثم الغابة
بعد الحريق، يضع العلي حماية التربة في مقدمة الأولويات، لأن انجرافها قد يفقد الموقع قدرته على استعادة الغابة.
ويشير إلى أن المواقع المحروقة غالباً ما تبدأ باستعادة الغطاء النباتي العشبي خلال الربيع الأول الذي يلي الحريق، وأحياناً بعد أول هطول مطري في الخريف، ومع عودة هذا الغطاء تتحسن حماية التربة من الانجراف.
أما الخطوة التالية، فتتمثل في ضمان إنبات بذور النوع السائد، ولا سيما الصنوبر البروتي، أو ظهور الإشطاءات من جذور الأنواع عريضة الأوراق، إذ يقول إن هذه العملية لوحظت في عدد من المواقع قبل حلول الربيع الأول، خلال أواخر الخريف وبداية الشتاء، ما يعني أن عودة الغابة قد تبدأ من الموقع نفسه إذا توافرت لها الحماية المناسبة.
كيف نمنع الحريق المقبل؟
بالنسبة إلى السنوات المقبلة، يقترح العلي التعامل مع استعادة الغابات باعتبارها عملية تتجاوز زراعة الشتلات، ويضع إزالة البقايا الشجرية المحروقة وتأمين الحماية للمواقع في مقدمة الخطوات، خصوصاً أن البادرات الجديدة تكون حساسة للدوس.
واقترح تقسيم المواقع المحروقة إلى مقاسم وإنشاء مصدات نار، مع زراعة عدة صفوف من الأنواع المقاومة للحرائق على أطراف المقاسم، ويذكر الخرنوب والتين الشوكي كنموذجين مناسبين، بهدف الحد من انتقال النيران في حال اندلاعها مجدداً.
أما داخل الغابة، فيشدد على تشجيع الاختلاط والحفاظ على الأنواع عريضة الأوراق، التي تكون غالباً أكثر مقاومة للحرائق، وهي موجودة أصلاً في الغابات السورية لكنها تكون في بعض المواقع «مكبوتة»، بينما يساعد الحريق على عودتها بسرعة.
ويوضح أخيراً، أن التعافي لا يبدأ بالضرورة من المشتل؛ ففي بعض الغابات قد تكون البذور والجذور والغطاء النباتي الموجود في الأرض هي نقطة البداية، فيما يصبح دور الإنسان أولاً حماية ما يستطيع أن يعود، ثم التدخل حيث لا تكفي قدرة الموقع الطبيعية وحدها.






