مجتمع

بين التخوّف والطمأنة: توضيحات قضائية بشأن وصاية الأم السورية

923
ul

خاص- سيريا ون

في ظلّ حالة من التوجّس والقلق التي اجتاحت شريحة واسعة من الأمهات في سوريا، برز تعميم قضائي جديد حاملاً في طيّاته أكثر من سؤالٍ حول مكانة المرأة في منظومة الأسرة والقانون.

التعميم رقم 17 لعام 2025، الصادر عن القضاء الشرعي، أُسيء فهمه على نطاق واسع باعتباره يسلب الأم السورية حقّها في وصاية أبنائها، خصوصًا بعد وفاة الأب، لكن التفاصيل، عند التدقيق، تروي قصة مختلفة.

القضاء يوضح: لا إلغاء للوصاية، بل تسهيل للإجراءات

وفي محاولة لاحتواء الموجة الإعلامية والاجتماعية التي أثارها التعميم، أوضح القاضي الشرعي الأول في دمشق أن الهدف منه لم يكن تقييد حقوق الأم، بل تسريع إجراءات إصدار جوازات السفر للقصر من دون الحاجة إلى مراجعة المحكمة شخصيًا.

وأكد أن الأم تحتفظ بحقّها الكامل في طلب جواز سفر لطفلها، لا سيما في حال وفاة الأب، وأن السفر إلى خارج البلاد لا يزال يتطلب موافقة الطرفين أو بديل قانوني معتمد عند غياب أحدهما، بما في ذلك استخدام الاتصال المرئي كوسيلة رسمية لتوثيق الموافقة، وشدّد على أن "الوصاية الشرعية لم تُلغَ، وأي ادّعاء بعكس ذلك غير دقيق".

بين التهميش القانوني وانعدام الثقة.. صوت الأمهات: نخشى التطبيق، لا النصّ

ورغم وضوح النصّ القانوني، تبقى المخاوف حيّة على الأرض. تقول منى، أمّ مطلّقة من دمشق لـ"سيريا ون": "القانون قد يمنحنا الحق، لكن بعض الموظفين في الدوائر الرسمية لا يزالون يعاملوننا وكأننا غير مؤهلات لتربية أبنائنا". وتشاطرها القلق سارة، أرملة من حلب، التي تؤكد أن "الوصاية ليست مجرد ختم إداري، بل هي القدرة اليومية على اتخاذ قرارات بشأن صحة الطفل ودراسته ومستقبله". وتضيف: "أخشى أن يتحوّل أي خلاف عائلي بسيط إلى ذريعة لحرماننا من هذا الحق، وكأننا غرباء عن أبنائنا".

الشفافية… المفتاح الحقيقي لحماية الأطفال

من زاوية قانونية، يوضح المحامي محمود حسن أن التعميم، في جوهره، يرمي إلى حماية مصلحة القاصر وضمان استقراره. لكنه يلفت إلى أن "التطبيق العادل والشفاف هو الضامن الحقيقي لحقوق الأم". ويحذر من أن أي تفسير ضيّق أو تطبيق تمييزي قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال، إذ إن الوصاية القانونية تمنح الأم القدرة على التصرّف باسم أبنائها في القضايا الحسّاسة.

رغم التوضيح القضائي، لم تهدأ الأصوات الناقدة


الصحفية راما خليل رأت في التعميم، "حتى لو لم يُلغِ الوصاية صراحة"، انعكاسًا لثقافة قانونية ما زالت تنظر إلى الأم كطرف ثانوي. وقالت لـ"سيريا ون": "هذا القرار يوحي بعدم ثقة المؤسّسة القانونية بقدرة الأم السورية على رعاية أبنائها، ويضع الوليّ الذكر، حتى لو كان غريبًا، في موقع أعلى من حقّها الطبيعي. إنه استمرار لسلسلة تمييزات، منها حرمانها من منح جنسيتها لأطفالها"،واعتبرت أن مثل هذا التوجّه لا يُعزّز حماية الأسرة، بل يُضعف بنيانها، ويُشكّل تراجعًا صريحًا في مسيرة حقوق المرأة.

وفي السياق نفسه، شدّد الصحفي جاد علي، من دمشق لـ"سيرياون"، على أن "الوصاية ليست حكرًا على عائلة الأب". وقال لموقع "سيريا ون": "الأم شريك أصيل في حياة أبنائها، وإذا توفّي زوجها فهي الأَوْلى برعايتهم قانونًا ووجدانًا. القضاء وعائلة الطفل يأتون في المرتبة الثانية. القوانين وُضعت لتنظيم الحقوق، لا لإقصاء طرف منها أو تهميشه".

يظل التعميم رقم 17 لعام 2025 نصًّا قانونيًّا يُقرّ بحق الأم في الوصاية ويهدف إلى تسهيل الإجراءات المتعلقة بأبنائها القُصّر، لا إلى سلب صلاحياتها. ومع وضوح النص، يبقى التطبيق العملي على أرض الواقع هو المعيار الحقيقي لفعالية هذا التوجيه.

فالشفافية في التنفيذ، واحترام الأطر القانونية دون تحيّز، هما الضمانة الوحيدة لحماية مصلحة الأطفال، وضمان استقرار الأسرة، وتحقيق التوازن بين الحقوق المشتركة للوالدين.



مقالات ذات صلة

الدين الأمريكي يتجاوز حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

الدين الأمريكي يتجاوز حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

تجاوز  الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، ما يشكل محطة لافتة في علاقة واشنطن بالاقتراض
25
الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

الخلاف يتسع داخل حركة ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس ترامب

يزداد الخلاف ويتسع داخل الحركة المحافظة الأمريكية ماغا بشأن السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، قبل أقل من 3 أشهر على انتخابات التجديد النصفي، بعدما انتقلت الاعتراضات على حرب إيران من أصوات متفرقة إلى محاولة أكثر وضوحا
18
البابا ليو يدق ناقوس الخطر العالمي للتحرك لمواجهة إيبولا في الكونغو

البابا ليو يدق ناقوس الخطر العالمي للتحرك لمواجهة إيبولا في الكونغو

دعا البابا ليو بابا الفاتيكان اليوم الأحد ​إلى اتخاذ إجراءات على مستوى العالم ‌للمساعدة في احتواء آثار تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والذي أودى ​حتى الآن بحياة أكثر من ​2500
24
القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

انطلقت اليوم الأحد أعمال القمة السورية للأمن السيبراني 2026 بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص سوري وعربي وأجنبي، وذلك افتراضياً عبر منصة رقمية تفاعلية ‏مخصصة للمشاركين
62
تنامي المخاوف المرتبطة باستخدام نظارات ميتا الذكية في أماكن العمل

تنامي المخاوف المرتبطة باستخدام نظارات ميتا الذكية في أماكن العمل

سلّط تقرير حديث الضوء على تنامي المخاوف المرتبطة باستخدام نظارات ميتا الذكية في أماكن العمل، وسط شكاوى من موظفين في قطاعات التجزئة والخدمات من تعرضهم للتصوير دون علمهم أو موافقتهم، واستخدام المقاطع المصورة لاحقًا على منصات التواصل
39
سيرياون إعلان 7