شهد عدد من المنشآت الصناعية الخاصة في ريف دمشق خلال الأيام الماضية حالة توتر متصاعدة بين العمّال والإدارة، على خلفية مطالب تتعلق بالأجور والحقوق الخدمية داخل مكان العمل.
التوتر لم يظهر فجأة، بل جاء بعد سلسلة من المطالب التي رفعها العمّال خلال الفترة الماضية، في ظل ظروف معيشية ضاغطة وارتفاع كبير في تكاليف الحياة.
ومع غياب استجابة واضحة من الإدارة، تحوّل الاحتقان إلى إضراب واسع داخل المنشآت، ما دفع الجهات النقابية والرسمية إلى التدخل لاحقاً لضبط مسار الأزمة.
ردّ إداري فجّر الموقف
وفق ما أكده عبد الرحمن حلاوة أحد منظّمي الإضراب لـ Syria One، فإن العمّال كانوا قد رفعوا قبل عشرة أيام كتاباً رسمياً يطالبون فيه بتوضيح آلية تطبيق زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة خمسين بالمئة.
لكن الردّ الذي وصلهم كان صادماً بالنسبة لهم، ويحمل نبرة اعتبروها مهينة، إذ جاء على شكل عبارة: "زيادة ما في.. اللي عجبو عجبو، واللي ما عجبو يروح عالباب الرئيسي".
هذا الردّ، بحسب العامل عبد الرحمن كان الشرارة التي دفعت العمّال إلى الانتقال من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الإضراب، خاصة مع تراكم مطالب سابقة تتعلق بالتأمين الصحي والرعاية الطبية ووجود طبيب مناوب داخل المنشأة.
إجراءات عقابية زادت الاحتقان
العامل عبد الرحمن أوضح أن العمّال خرجوا بشكل سلمي وقانوني ضمن حدود المنشأة، بعد إخطار رئيس اللجنة النقابية، لكن الإدارة بدلاً من فتح باب الحوار، اتخذت إجراءً وصفه بـ "التعسفي" تمثّل في إيقاف باصات نقل العمّال، وهو ما اعتبره المحتجون محاولة للضغط عليهم وثنيهم عن متابعة مطالبهم.
ومع اتساع الإضراب، حضرت جهات حكومية معنية، من بينها مكتب النقابة العمالية ومكتب شؤون التأمينات الاجتماعية.
وبحسب العامل عبد الرحمن فقد تم تثبيت مجموعة من الحقوق القانونية، من بينها الرعاية الصحية، وجود طبيب مناوب، الأمن الصناعي، ووجبات الطعام.
لكن بقيت نقطة خلاف أساسية لم تُحسم: الزيادة المالية على الرواتب.
عقدة لم تُحل
العامل عبد الرحمن أكد أن مطلب العمّال الأساسي اليوم هو زيادة قدرها مليون ليرة سورية على الراتب، باعتبارها الحد الأدنى الذي يسمح لهم بمجاراة الواقع المعيشي الحالي.
وبرأيه، فإن الرواتب الحالية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يجعل الزيادة ضرورة وليست خياراً.
الإدارة، وفقاً لقوله رفضت هذا المطلب ولم تقدّم أي بديل أو استجابة سريعة.
حضور متأخر للنقابة
وعن غياب النقابة أو الجهات الرسمية في الأيام الأولى، قال عبد الرحمن إنهم لم يتلقوا أي تواصل في بداية الإضراب، مرجعاً ذلك إلى تأخر في تقدير حجم المشكلة. لكنه أشار إلى أن التدخل اللاحق ساهم في تثبيت بعض الحقوق، دون أن يحلّ العقدة الأساسية المتعلقة بالأجور.
استمرار الإضراب خيار مطروح
العامل شدد على أن العمّال ملتزمون بالإطار القانوني، وأنهم "قلباً وقالباً مع الدولة وما تأمر به" بحسب تعبيره، لكنه أكد في الوقت نفسه أن استمرار الإضراب يبقى خياراً مطروحاً في حال عدم فتح قناة حوار مباشرة مع الإدارة، وإعادة تفعيل باصات النقل، والتوصل إلى زيادة عادلة تضمن الحد الأدنى من المعيشة.
ما يجري حالياً لا يبدو مجرد خلاف على زيادة مالية، بل أزمة إدارة حوار، وتراكم مطالب لم تُعالج في وقتها. الشرارة كانت كلمة، لكن ما بعدها أصبح ملفاً مفتوحاً يحتاج إلى معالجة جدية، لأن نتائجه ستنعكس على بيئة العمل ككل وعلى العلاقة بين العمّال وإداراتهم واستقرار المنشآت الصناعية.






