بينما بدأت التحضيرات الميدانية لإعادة تأهيل الطريق الدولي الواصل بين دمشق ونصيب، تواجه درعا في الوقت نفسه تحديات خدمية واقتصادية لا تقل أهمية عن مشاريع الطرق، وفي مقدمتها أزمة المياه التي تضغط على السكان والزراعة، في مرحلة تشهد عودة للمهجرين ونشاطاً اقتصادياً متزايداً.
وبحسب مدير المكتب الإعلامي في وزارة النقل عبد الهادي الشحادة، بلغت قيمة مشروع تأهيل الطريق نحو 46.8 مليون دولار، بعد إرسائه على شركة المجموعة المشتركة للمقاولات الكويتية، فيما تصل مدة التنفيذ إلى نحو 400 يوم.
حيث يمتد المشروع على مسافة تقارب 100 كيلومتر، ويتألف من أربع حارات مرورية، وتشمل أعماله إزالة الطبقات الإسفلتية المتضررة وتنفيذ طبقات جديدة ومعالجة المواقع التي تحتاج إلى تدخلات إنشائية، إلى جانب أعمال السلامة المرورية والإنارة.
وجاء المشروع بعد استكمال الدراسات والمسوح الفنية للطريق الذي تعرض خلال السنوات الماضية لأضرار متراكمة نتيجة الأحمال الثقيلة وغياب أعمال الصيانة، فيما بدأت الشركة المنفذة تجهيز مواقع العمل وإدخال الآليات والمعدات اللازمة للتنفيذ.
كما يكتسب الطريق أهمية خاصة لكونه جزءاً من محور بري رئيسي يبدأ من الحدود الأردنية ويمر بدمشق وحمص وحلب وصولاً إلى وصلة سراقب، ما يجعله أحد مسارات نقل الأشخاص والبضائع والترانزيت في سوريا.
لكن إعادة تأهيل هذا المحور تأتي في وقت تواجه فيه المحافظة أزمة مائية، ولا سيما في منطقتها الغربية، إذ يقول مدير مديرية الموارد المائية في درعا المهندس غزوان البوش إن انخفاض غزارات الينابيع وهبوط مناسيب المياه الجوفية، إلى جانب سنوات الجفاف المتعاقبة في حوض اليرموك، أسهمت في تفاقم المشكلة.
وأشار البوش إلى أن عودة المهجرين وزيادة النشاطات الزراعية والصناعية والخدمية رفعت الاعتماد على المياه الجوفية، فيما ساهمت شبكات الضخ القديمة وسوء التوزيع والتعديات في زيادة الهدر.
وتكشف أرقام المديرية جانباً آخر من الأزمة، إذ يُضخ نحو 1200 متر مكعب في الساعة من ينابيع الأشعري باتجاه مدينة درعا، بينما يصل منها ما يقارب 400 متر مكعب فقط، في مؤشر لا يرتبط بتراجع المصادر المائية وحده، وإنما أيضاً بواقع شبكات النقل والتوزيع والحاجة إلى تأهيلها.
بالمقابل لا تنفصل أزمة المياه عن مستقبل الزراعة، إذ يرى البوش أن التوسع الزراعي غير المنظم وعدم مواءمة الزراعات مع الموارد المائية المتاحة يفرضان الحاجة إلى إعادة تنظيم القطاع، إلى جانب التوسع في الري الحديث وتأهيل الشبكات ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في المجالات المسموح بها.
من جانبه، لا يرى الباحث في الشؤون السياسية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت في حديثه لـ Syria One أن معالجة الاحتياجات الأساسية تعني تأجيل الاستثمار، معتبراً أن التحدي يتمثل في الانتقال من المفاضلة بين الخدمات والتنمية إلى العمل عليهما بالتوازي، لأن مشاريع المياه والطرق والبنية الخدمية تحمل في الوقت نفسه أبعاداً اجتماعية واقتصادية.
كما أشار أبو نبوت إلى أن العلاقة بين معالجة آثار الحرب والاستثمار في البنية التحتية هي علاقة تكاملية، معتبراً أن طريق دمشق–درعا–نصيب يمكن أن يدعم التجارة والنقل ويخفض تكاليف الوصول إلى الأسواق.
لكنه يرى أن الطريق وحده لا يصنع تحولاً اقتصادياً، إذ إن بقاءه مجرد ممر لعبور البضائع والمركبات قد يحد من انعكاسه على الاقتصاد المحلي، ما لم يرتبط بالزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية.
وقد يكون الطريق الدولي جاهزاً خلال أشهر لفتح حركة أسرع بين دمشق والحدود، لكن السؤال الأصعب في درعا يبقى داخل المحافظة نفسها: ماذا ستنقل هذه الطرق إذا بقي الإنتاج الزراعي مقيداً بأزمة المياه؟ وماذا يعني جذب الاستثمار إذا لم تتوافر له الخدمات الأساسية؟ بين هذين المسارين، لا تختبر درعا نجاح مشروع طريق فقط، بل قدرتها على ربط مشاريع النقل والمياه والإنتاج ضمن رؤية واحدة تجعل أثرها ينعكس على الاقتصاد المحلي وحياة السكان.






