في شوارع دمشق، حيث تتداخل أصوات الباعة مع ضجيج المدينة، يظهر كرم الباسط، أحد بياعي الخردة الذين باتوا جزءاً من المشهد اليومي.
يتحرك بين الأزقة بعربة بسيطة، يجمع ما لم يعد الناس بحاجة إليه، واصفاً عمله بأنه "شغل ما بيوقف"، يبدأ من الصباح ولا ينتهي قبل المساء.
يقول كرم لـ Syria One إنهم يشترون كل ما يمكن أن يتحول إلى مادة قابلة للبيع: مكيفات قديمة، سخانات، طناجر، بطاريات، فرشات، وحتى الأدوات الكهربائية التي توقفت عن العمل منذ سنوات, فبالنسبة له لا يوجد شيء "خربان" فعلاً، فكل قطعة تحمل قيمة ما، مهما كانت صغيرة.
اقتصاد بالكيلو
تقوم المهنة على ميزان صغير يرافق البائع أينما ذهب، يتابع كرم: "الحديد يُشترى بخمسمئة ليرة للكيلو، والصوف بسبعة آلاف، والبطاريات بالسعر نفسه، بينما يبقى النحاس الكنز الحقيقي كما يصفه، إذ يصل سعر الكيلو منه إلى مئة ألف ليرة.
أما القطع الكبيرة فلها حساب مختلف، البراد القديم يُقدّر بين خمسة وسبعين ومئة ألف ليرة، والغسالة بخمسين ألفاً. هذه الأسعار ليست ثابتة، لكنها تشكل الإطار العام الذي يتحرك ضمنه البائعون في السوق.
رحلة الخردة
رحلة الخردة لا تنتهي عند البائع، فبعد جمع القطع، ينقلها كرم إلى "المركز" الذي يتعامل معه منذ سنوات.
هناك تُفرز القطع وتُفكك، ويُعاد بيعها لتاجر أكبر يرسلها بدوره إلى المعمل حيث تُصهر وتُعاد صناعتها من جديد. يشرح كرم أن المركز لا يشتري فقط، بل يزوّدهم أيضاً بالعربات والمال اللازم لشراء البضائع من الناس، على أن يعيدوا إليه ما جمعوه في نهاية اليوم.
هذه العلاقة تشبه شبكة اقتصادية صغيرة غير رسمية، لكنها فعّالة وتعمل بدقة رغم بساطتها.
الربح للشاطر!
يقول كرم إن الربح اليومي "مو ثابت"، لكنه غالباً ما يدور حول مئة ألف ليرة، وقد يزيد أو ينقص حسب حركة السوق وحسب "شطارة البياع" في المساومة.
فالمهنة تعتمد على القدرة على تقدير قيمة القطعة بسرعة، وإقناع صاحبها ببيعها بسعر مناسب، مضيفاً أن الوضع سابقاً كان أفضل بكثير، وأن المهنة "كانت موفية"، لكن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت الربح أقل، والجهد أكبر، والقطع المتاحة أقل مما كانت عليه قبل سنوات.
تعب لا يراه أحد
يبدأ يوم كرم منذ الصباح الباكر ويستمر حتى المساء، يصف العمل بأنه مرهق، ليس فقط بسبب حمل القطع الثقيلة، بل أيضاً بسبب التنقل المستمر، والبحث الطويل، والفرز الذي يحتاج وقتاً وصبراً.
ورغم ذلك، يرى أن هذه المهنة هي ما يبقي بيته واقفاً، ويتابع بالقول إن كل يوم يحمل معه مفاجأة جديدة: قطعة ثمينة تظهر فجأة، أو جولة طويلة بلا أية نتيجة، لكنه يستمر، لأن "ما في بديل".
بياعو الخردة مثل كرم الباسط يشكلون اقتصاداً صغيراً يعيش على ما يتركه الآخرون خلفهم، هم حلقة غير مرئية في سلسلة إعادة التدوير، يلتقطون ما يسقط من حياة الناس، ويحوّلونه إلى مصدر رزق.
ورغم أن المهنة تبدو بسيطة، إلا أنها تكشف الكثير عن واقع اقتصادي صعب، تقابله قدرة الناس على خلق فرصهم الخاصة مهما كانت الظروف.






