سياسي

غياب يثير التساؤلات.. كيف تتشكل خريطة البعثات الدبلوماسية في دمشق؟

13
غياب يثير التساؤلات.. كيف تتشكل خريطة البعثات الدبلوماسية في دمشق؟

أعاد سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 رسم المشهد السياسي والدبلوماسي في سوريا، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والدولية مع دمشق، وبينما سارعت دول عربية وأجنبية إلى إعادة فتح سفاراتها واستئناف اتصالاتها الرسمية مع السلطات الجديدة، فضّلت دول أخرى التريث أو الإبقاء على تمثيل محدود بانتظار اتضاح ملامح المرحلة الانتقالية.


ويعكس هذا التباين في المواقف حجم التحديات السياسية والقانونية والأمنية التي ما تزال تحيط بالملف السوري، كما يكشف عن اختلاف حسابات الدول تجاه مستقبل سوريا ودورها الإقليمي.. فكيف تبدو خريطة الحضور والغياب الدبلوماسي في دمشق اليوم؟


عودة متسارعة إلى دمشق


شهدت دمشق منذ مطلع عام 2025 حراكاً دبلوماسياً لافتاً عكس رغبة متزايدة لدى عدد من الدول في إعادة بناء قنوات التواصل الرسمية مع السلطات السورية الجديدة، فبعد سنوات من القطيعة أو التمثيل المحدود، أعادت دول عربية وأجنبية افتتاح بعثاتها الدبلوماسية أو رفعت مستوى تمثيلها السياسي، في خطوة ارتبطت بالتحولات التي شهدتها البلاد عقب تغيير السلطة.


وتستند هذه العودة إلى جملة من الاعتبارات السياسية والعملية، أبرزها الاعتراف بالأمر الواقع السياسي الجديد، والحاجة إلى التواصل المباشر مع المؤسسات الانتقالية لإدارة الملفات الثنائية، بما في ذلك الأمن واللاجئون وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، كما ترى بعض العواصم أن الحضور الدبلوماسي المباشر يوفر قدرة أكبر على متابعة التطورات الداخلية والتأثير في مسار المرحلة الانتقالية.


على المستوى العربي، جاءت إعادة تنشيط العلاقات مع دمشق في سياق أوسع يهدف إلى دمج سوريا مجدداً في محيطها الإقليمي بعد سنوات من العزلة، فيما تنظر بعض الدول الأوروبية والآسيوية إلى الانفتاح الدبلوماسي باعتباره خطوة ضرورية للحفاظ على مصالحها ومواكبة التحولات السياسية المتسارعة داخل البلاد.


ويشير هذا الزخم إلى أن دمشق استعادت جزءاً مهماً من مكانتها الدبلوماسية، إلا أن حجم التمثيل لا يزال متفاوتاً بين دولة وأخرى، ما يعكس استمرار الحذر الدولي تجاه مستقبل المشهد السياسي السوري.


لماذا لا تزال بعض الدول خارج المشهد؟

في المقابل، لا تزال دول عدة تتجنب حتى الآن إعادة فتح سفاراتها أو إرسال سفراء معتمدين إلى دمشق، مفضلة اتباع سياسة الانتظار والترقب، ويعود ذلك إلى اعتبارات سياسية وقانونية وأمنية متشابكة تجعل اتخاذ قرار العودة الكاملة أكثر تعقيداً.


وتتمثل إحدى أبرز هذه الاعتبارات في رغبة بعض الحكومات في التحقق من قدرة السلطات السورية الجديدة على ترسيخ مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة الدولة بصورة مستدامة، فالكثير من العواصم ترى أن الاعتراف الكامل لا يرتبط فقط بتغيير السلطة، بل أيضاً بمدى نجاح العملية السياسية وإرساء قواعد حكم واضحة ومعترف بها داخلياً وخارجياً.


إلى جانب ذلك، ما تزال العقوبات المفروضة على سوريا تشكل عاملاً مؤثراً في طبيعة العلاقات الدبلوماسية، كما أن استمرار إدراج سوريا على بعض القوائم المرتبطة بالإرهاب والعقوبات الاقتصادية يفرض قيوداً قانونية وإجرائية على مستوى التعاون الرسمي، ويحد من قدرة بعض الدول على تطوير علاقاتها بسرعة مع الحكومة الجديدة.


وتبرز أيضاً اعتبارات أمنية لا يمكن تجاهلها، إذ تتطلب إعادة تشغيل البعثات الدبلوماسية توفير بيئة مستقرة وآمنة للموظفين والمقار الدبلوماسية، ورغم التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية مقارنة بالفترات السابقة، لا تزال بعض الحكومات تقيّم المخاطر المرتبطة بإعادة انتشار بعثاتها داخل سوريا قبل اتخاذ قرار نهائي في هذا الاتجاه.


إعادة تشكيل الخريطة الدبلوماسية السورية

بالتوازي مع عودة عدد من السفارات الأجنبية إلى دمشق، تواجه وزارة الخارجية السورية تحدياً موازياً يتمثل في إعادة هيكلة السلك الدبلوماسي وإعادة تنظيم شبكة البعثات السورية في الخارج بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.


وشهدت الأشهر الماضية سلسلة من التغييرات في مواقع السفراء ورؤساء البعثات، ضمن مساعٍ لإعادة بناء الجهاز الدبلوماسي على أسس تتوافق مع التوجهات السياسية الجديدة، كما تعمل السلطات على مراجعة أوضاع عدد من البعثات الخارجية وإعادة تفعيل بعضها بعد سنوات من الجمود أو تراجع النشاط.


وتسعى دمشق من خلال هذه الخطوات إلى تعزيز حضورها الدولي واستعادة قنوات التواصل مع أكبر عدد ممكن من الدول والمنظمات الدولية، ويعد اتساع دائرة الاعتراف بالحكومة الجديدة عاملاً أساسياً في نجاح هذه الجهود، إذ يتيح توسيع التمثيل الدبلوماسي وإبرام تفاهمات سياسية واقتصادية تسهم في دعم الاستقرار وإعادة الإعمار.


ومع ذلك، فإن استكمال إعادة رسم الخريطة الدبلوماسية السورية يبقى رهناً بمسار المرحلة الانتقالية نفسها، ومدى قدرة السلطات الجديدة على بناء مؤسسات مستقرة وكسب ثقة المجتمع الدولي.


وبين عودة متسارعة لبعض الدول وغياب مستمر لأخرى، تبدو دمشق اليوم أمام مشهد دبلوماسي متحرك يعكس حجم التحولات التي تشهدها سوريا وموقعها في الحسابات الإقليمية والدولية خلال مرحلة ما بعد النظام السابق.


مقالات ذات صلة

أذرع الحشد الشعبي تحت قبضة الدولة.. واشنطن تعيد رسم خارطة النفوذ في العراق

أذرع الحشد الشعبي تحت قبضة الدولة.. واشنطن تعيد رسم خارطة النفوذ في العراق

شهد العراق خلال الأسابيع الماضية تحولات مفصلية في ملف سلاح فصائل الحشد الشعبي، بعد أن نجحت الضغوط الأمريكية في دفع مجموعة من فصائل الحشد إلى تسليم أسلحتها إلى الدولة، في خطوة اعتبرتها واشنطن جزءاً من استراتيجيتها الشاملة للحد من نفوذ إيران
9
عراقجي يرد على عون: سيدي الرئيس أنقذ لبنان ⁠من ​عدوك الحقيقي

عراقجي يرد على عون: سيدي الرئيس أنقذ لبنان ⁠من ​عدوك الحقيقي

رفض وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي ‌اليوم السبت تصريحات الرئيس اللبناني جوزاف ​عون التي وصف ​فيها لبنان بأنه ورقة ⁠مساومة في ​يد طهران
38
دبلوماسيون: واشنطن تعد مشروع قرار يندد بإيران قبل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الذرية

دبلوماسيون: واشنطن تعد مشروع قرار يندد بإيران قبل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الذرية

قال دبلوماسيون اليوم ‌الجمعة إن الولايات المتحدة تعد مشروع قرار يندد بإيران قبل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبوع المقبل، في خطوة قد تعقد المحادثات الأوسع بين واشنطن وطهران
46
عون لشبكة CNN: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أمريكا

عون لشبكة CNN: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط في محادثاتها مع أمريكا

قال الرئيس ​اللبناني جوزاف ‌عون لشبكة (سي.إن.إن) إن ​إيران تستخدم ​لبنان ورقة ضغط ⁠في ​مفاوضاتها مع ​الولايات المتحدة
168
فرانس برس: إيران تعلن إحراز تقدم كبير في صياغة نص التفاهم مع واشنطن

فرانس برس: إيران تعلن إحراز تقدم كبير في صياغة نص التفاهم مع واشنطن

أعلن كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني، أن المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة "أحرزت تقدما كبيرا" على مستوى صياغة نص التفاهم، بحسب فرانس برس
60
سيرياون إعلان 7