تواجه الطبيعة في سوريا استنزافاً صامتاً يهدد هويتها البيئية وتنوعها الحيوي، في مختلف المحافظات والمناطق الطبيعية، حيث تحولت هواية الصيد من نشاط منظم يلتزم بالقوانين والأعراف، إلى "صيد جائر" عشوائي لا يرحم طيراً مهاجراً ولا حيواناً نادراً، مدفوعاً بغياب الرقابة وضعف الوعي البيئي.
هذا التعدي الصارخ على التوازن الطبيعي لم يعد مجرد خطأ عابر، بل بات خطراً حقيقياً يهدد بإنهاء حياة فصائل كاملة من النظام البيئي السوري، ما يستدعي حلولاً عاجلة.
وعن معنى الصيد الجائر، يوضح الخبير بالحياة البرية، المهندس أحمد إيدك لـ Syria One، أنه تجاوز مجرد التعدي العابر، ليصبح استهدافاً ممنهجاً للحيوانات البرية عبر قتلها، أو أسرها، بطرق تخالف القوانين المحلية والمعاهدات الدولية، مشيراً إلى أن الأزمة تكمن في الاعتماد على وسائل صيد محرّمة كالشباك و"الدبق"، والاستمرار في القنص خلال مواسم التكاثر، ما يؤدي إلى سحب أعداد هائلة من الكائنات تفوق قدرة الطبيعة على التجدد الذاتي واستمرار سلالاتها، متابعاً: "سوريا لا تزال تدفع ثمناً باهظاً جراء هذه الممارسات التي حوّلت الصيد من شغف وهواية منظمة، إلى عملية إبادة حقيقية تهدد بتصفية التنوع الحيوي بأكمله".
وحول أسباب تفاقم هذه الظاهرة، يؤكد إيدك أنها ترجع لعدة عوامل رئيسية؛ في مقدمتها غياب تفعيل القوانين الرادعة، وضعف الوعي لدى شريحة من الصيادين أنفسهم، والذين يجهلون أن ممارساتهم تنتهك نواميس الطبيعة وتستهدف فصائل مدرجة على قوائم خطر الانقراض، متابعاً:
"تصنف سوريا كمعبر حيوي واستراتيجي لرحلات الطيور المهاجرة بين قارات أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، وهذا التدفق الكثيف لأسراب الطيور في موسمي الهجرة الربيعية والخريفية يخلق خداعاً بصرياً لدى الصياد المحلي، حيث يتوهم أن الأعداد الهائلة والتي تظهر بالآلاف لن تتأثر بالقتل والصيد العشوائي، مما يدفعه للاستمرار في الإبادة دون إدراك لحجم الكارثة".
وأشار إلى أن الصيد العشوائي لم يستثنِ أحداً، إذ تطال عمليات القنص والأسر كل الطيور في سماء البلاد، باستثناء فئات محدودة كالغربان، والنوارس، وأنواع البلشون، ولم يتوقف الأمر عند حدود الطيور، بل امتد ليعصف بالثدييات، حيث تدفع المفترسات الكبرى، مثل "الذئاب والضباع" الثمن الأكبر عبر قتلها الممنهج، تليها الأرانب البرية، في حين لم تسلم حتى السلاحف البرية من شباك الأسر والتجارة غير المشروعة.
وأكد أن الصيد كان على الدوام المحرك الأساسي لاندثار واختفاء أنواع كاملة من سوريا، ما تسبب بإبادة تامة للعديد من الثدييات، فاختفى "النمر الأناضولي" من الشريط الساحلي، وغابت الفهود، والغزلان، و"الحمار البري السوري"، و"النعامة السورية"، و"المها العربي" من عمق البادية، كما طويت صفحة "الأسد الآشوري" في أحواض الفرات والعاصي، بينما يسير "الدب السوري" اليوم في نفق شبه الانقراض الأخير ضمن الغابات الساحلية وجبل الشيخ والمناطق الحدودية، مضيفاً: "هناك العديد من الطيور التي توقفت عن التكاثر في سوريا مثل نسر غريفون، والنسر الأسود، والحبارى بأنواعها الثلاثة، إضافة إلى اللقلق الأبيض والعديد من أنواع الجوارح الأخرى وبعض أنواع الطيور المائية وبعض العصفوريات".
وشدد على ضرورة تعديل قانون الصيد الصادر في عام 2023، مبيناً أن السماح بالصيد في فترات معينة ضمن القانون الحالي يهدد فصائل كثيرة تتكاثر في التوقيت نفسه، معتبراً أن الحل الأنسب يكمن في إقرار منع كامل وشامل للصيد على مدار العام، على أن يتم لاحقاً حصر وتحديد أنواع معينة من الحيوانات يُسمح بصيدها فقط في أوقات ضيقة وبأعداد محدودة ومدروسة لكل صياد.
كيف ينظم القانون السوري الصيد البري؟
من جانبه، يقدم المحامي غيفار دنيا، قراءة قانونية وتشريعية شاملة للواقع؛ قائلاً لـ Syria One: "بالنظر إلى ما يمثله الصيد الجائر من خطر حقيقي وجسيم على الحيوانات البرية، فقد أصدر المشرّع السوري القانون رقم 14 لعام 2023، ويهدف هذا القانون بالدرجة الأولى إلى حماية الطيور والحيوانات البرية واستدامتها، والحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، بالإضافة إلى تنظيم الصيد البري وفق معايير وضوابط قانونية واضحة ومحددة".
ويستعرض المحامي أبرز المرتكزات والبنود التي جاء بها هذا القانون، والتي تتلخص في النقاط التالية:
ـ استحداث المجلس المركزي: نص القانون على تشكيل "المجلس المركزي للصيد البري" برئاسة وزير الزراعة، وبعضوية عدد من ممثلي الوزارات والهيئات الحكومية المعنية.
ـ رخصة وحيازة السلاح: يُمنع الصيد منعاً باتاً دون الحصول على رخصة صيد رسمية، بالتوازي مع حيازة رخصة سلاح الصيد.
ـ حظر الوسائل المحرّمة والمطاردة: يُحظر الصيد تماماً باستخدام السموم، الغازات، الآلات الكهربائية، والوسائل الأخرى الشبيهة بها التي يصدر بها قرار من المجلس، كما يُمنع منعاً قاطعاً مطاردة الطرائد بواسطة المركبات، الدراجات، أو أي من المحركات الآلية.
ـ تحديد المناطق المحظورة: يُمنع الصيد داخل المدن، البلدات، القرى، المحميات الطبيعية، المنتزهات الحراجية، والحدائق، ويمتد الحظر إلى مسافة ألف متر خارج حدود هذه الأماكن.
ـ العقوبات والردع القضائي: يضع القانون عقوبات صارمة لكل من يخالف أحكامه، حيث يُعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، وبغرامة مالية تتراوح بين 250 ألف إلى 500 ألف ليرة، في حال الصيد خلافاً للتعليمات، وتصل العقوبة إلى الحبس من 10 أيام إلى شهر، والغرامة من 100 ألف إلى 250 ألف ليرة، لكل من يقوم بالاتجار بالطرائد الميتة أو يقدم لحوم الطرائد كوجبات غذائية في المطاعم، فضلاً عن مصادرة وسائل الصيد المستخدمة.
ـ التوقيت والمواسم الرسمية: يحدد القانون مواعيد صارمة لرحلات الصيد؛ حيث يبدأ موسم الصيد علناً من اليوم الأول من شهر أيلول وينتهي بحلول اليوم الخامس عشر من شهر شباط من كل عام، أما توقيت الصيد اليومي، فيبدأ ممارسته بعد ساعة من شروق الشمس، وينتهي قبل ساعة واحدة من غروبها.
وفي ختام كلامه، أكد المحامي دنيا، وجود تقصير من قبل الجهات الحكومية المختصة في ردع ممارسات الصيد الجائر على أرض الواقع، حيث يغيب الحزم في ملاحقة المخالفين ومحاسبتهم.






