كشف مدير تنظيم قطاع المياه في وزارة الطاقة، عبادة مبيض، قبل أيام، أن العجز المائي في سوريا يُقدّر بنحو ملياري متر مكعب، في حين لا تزال مخازين السدود دون 50% في المنطقة الجنوبية، ما يضع سوريا ضمن الدول التي تعاني من الندرة المائية وتحت خط الفقر المائي.
حيث قال مبيض: "إن استهلاك سوريا من المياه يصل إلى نحو 18 مليار متر مكعب سنوياً، منها 16 مليار متر مكعب مصدرها الموارد المائية المتجددة، كالهطولات المطرية والأنهار ذات التدفق الدائم"، متابعاً: "العجز البالغ نحو ملياري متر مكعب، يُغطّى من الموارد المائية غير المتجددة، وفي مقدمتها المياه الجوفية والمخزون الأساسي في البحيرات الطبيعية والصناعية. تعويض الكميات المسحوبة من المخزون الجوفي المستنزف أمر بالغ الصعوبة، وقد يحتاج إلى سنوات"، بحسب وسائل إعلام سورية.
وتتراوح حصة الفرد من المياه في سوريا، بحسب مبيض، بين 500 و600 متر مكعب سنوياً، في حين يبلغ الحد المعتمد المائي ألف متر مكعب سنوياً للفرد، الذي تابع بالقول: "هذه الأرقام تضع سوريا ضمن الدول التي تعاني من الندرة المائية، وتحت خط الفقر المائي العالمي".
وفي نفس السياق، يضع الخبير البيئي سالم خاطر، خارطة طريق شاملة توصف الواقع الراهن وتطرح حلولاً عملية لضمان الأمن المائي المستدام.
الخارطة الحوضية ومنظومة السدود
يوضح خاطر في حديثه لـ Syria One، أن سوريا تعتمد في تأمين مياه الري الزراعي بشكل أساسي على شبكة واسعة تضم أكثر من 160 سداً وسدة مائية، ورغم غياب السدود العملاقة، يبرز سد الفرات كأعلى سد في البلاد بارتفاع يصل إلى 77 متراً، في حين تتوزع باقي السدود بأحجام أصغر على 7 أحواض مائية رئيسية، يتصدرها حوض دجلة والفرات كأكبر الأحواض (ويمتد ليشمل أراضي حلب)، يليه حوض الساحل، ثم العاصي، فاليرموك، وحوض بردى والأعوج، وصولاً إلى حوض البادية الذي يُصنف كأفقر الأحواض مائياً.
ويضيف الخبير: "بعد 7 سنوات عجاف قاسية شهدت شحاً كبيراً، حمل العام الأخير انفراجة مائية كبرى وُصفت بـ (سنة الخير)، حيث امتدت الأمطار لتملأ بحيرات معظم السدود، وتركزت هذه الانتعاشة في سدود الفرات الثلاثة التي تحوز وحدها على أكثر من 60% من إجمالي المخزون المائي السوري، وسط آمال علمية بأن تستمر هذه المواسم المطيرة لامتلاء البحيرات بالكامل.
وأفرزت سنوات الشح المائي، بحسب خاطر، ظاهرتين بارزتين في السلوك المجتمعي؛ "الأولى تمثلت في انتشار التعديات على حرمة الأنهار، ووصول الأمر إلى تشييد بيوت سكنية داخل "سرير النهر"، ومع تدفق المياه العارم هذا العام، استعادت الأنهار حرماتها الطبيعية وغمرت تلك المنازل، أما الظاهرة الثانية فكانت إيجابية وتنم عن ابتكار متميز للأهالي في المناطق الجنوبية، حيث استغل المزارعون تراجع المياه لزراعة أراضي البحيرات التجميعية بمحصول البطاطا خلال الصيف"، متابعاً: "علمياً، يُترك في بحيرات السدود مياه على عمق يتجاوز 2 متر يُعرف بـ (العمق الميت)، وذلك خشية ظهور الأعشاب الضارة وخاصة (القصب)، وبفضل زراعة البطاطا، قُطع الطريق على نمو القصب تماماً، وتم استثمار تلك الأراضي بكفاءة اقتصادية عالية".
نزيف المياه الجوفية
ينعكس استنزاف المياه الجوفية بشكل حاد على واقع المزارعين، وتؤكد المراجع العلمية أن سنة واحدة من الاستجرار الجوفي الجائر تحتاج إلى 10 سنوات من التغذية الطبيعية لإعادة المناسيب إلى سابق عهدها، بحسب الخبير البيئي، الذي تابع بالقول: "هذه الحقيقة يلمسها الفلاح السوري مجبراً، حيث يضطر المزارعون إلى زيادة عمق آبارهم مرة كل 5 سنوات تقريباً، حتى وصلت الأعماق في بعض المناطق إلى حد انعدام الجدوى الاقتصادية لإنتاج المحاصيل، ورغم التوجه الإيجابي نحو تطوير منظومات الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار مباشرة (من الألواح إلى المضخة عبر الانفرتر دون بطاريات)، إلا أن الهبوط المستمر لمنسوب المياه الجوفي أجبر المزارعين على إضافة لوح أو لوحين من الطاقة الشمسية سنوياً لتعويض نقص القدرة على سحب المياه من أعماق أكبر".
رؤية المستقبل.. صيانة السدود والتقنيات الحديثة
يقول خاطر: "مع انتشار الأمان واقتراب مرحلة التعافي، يتطلع قطاع البيئة والمياه إلى معالجة حزمة من المسائل الاستراتيجية الملحة، ويأتي على رأسها صيانة المنشآت المائية والسدود المتضررة، ولا سيما الواقعة على أنهار الفرات، العاصي، الأبرش، والخابور، وفي إطار تعظيم سعة التخزين، نقترح تطبيق طريقة تقنية جديدة ومبتكرة لإزالة الطمي (الرواسب) من قاع البحيرات، مما يسهم بشكل مباشر في زيادة حجم التخزين الفعلي للمياه المستقرة خلف السدود.
ويحدد الخبير 3 محاور رئيسية لحل مسألة الري ووقف الهدر المائي، تتمثل بإدارة وضبط الفاقد المائي: حيث يتجاوز الفاقد المائي عن طريق الرشح حالياً نسبة 40% من إجمالي الكميات المستجرة، وتتمثل الرؤية في تخفيض هذا الهدر عبر التحول الشامل نحو أساليب الري الحديثة والمقننة، ومنها: شبكات الري بالتنقيط والري الدفقي، والري تحت سطح التربة المخصص للأشجار المثمرة، وهناك الري بالرش، المخصص للمحاصيل الحقلية.
ويضيف خاطر: "وهناك تقنيات حصاد المياه، وهي طرق وأساليب عملية تؤمن توفيراً ملموساً للمياه من خلال إجراءات بسيطة وقليلة التكاليف والاقتصادية، بالإضافة إلى الاستخدام الآمن لمياه الصرف الصحي المعالجة، من خلال إخضاع مياه الصرف لعمليات معالجة (أولية وثانوية) دون الحاجة للوصول إلى المرحلة الثالثة المعقدة والمكلفة، ومن ثم استخدامها حصراً لري الأشجار والمحاصيل التي لا تؤكل بشكل مباشر وإنما تخضع لعمليات معالجة تصنيعية لاحقاً".
الري العشوائي "جريمة بحق الطفولة"
وكان الخبير، قد دقّ ناقوس الخطر حول ممارسات بعض الفلاحين الذين يلجؤون إلى سقاية محاصيلهم بمياه صرف صحي غير خاضعة لأي نوع من أنواع المعالجة، واصفاً هذا السلوك بـ "الجريمة الحقيقية بحق صحة أطفالنا"؛ مضيفاً: "المعطيات الطبية مقلقة وتفيد بأن حجم كبد الأطفال في تلك المناطق قد ازداد بمعدل 1.5 سم، وهو رقم كبير جداً يعكس حجم المخاطر الصحية والسموم التي تتسلل إلى أجساد الجيل القادم".






