من قلب سوريا، ومن بين ثنايا المواد التي تشي بالذاكرة، تقود الفنانة ومصممة المنتجات داليدا عطية تجربة بصرية وحرفية تحول الشموع والأحجار والزهور المجففة إلى منصة لسرد القصص، ومساحة للتعبير عن الصمود والأمل والتغيير.
لتتشكل بين ثقل الحجر وهشاشة الشمع، ملامح مشروع Dal Art Studio & Crafts كحالة فنية مستقلة تسعى للربط بين التصميم المعاصر والروح المحلية.
وفي تصريح خاص لـ Syria One، فتحت داليدا عطية أوراق مشروعها، مشيرة إلى أن الفن قرار واع لإعادة الترميم واستعراض القوة الكامنة في الأشياء التي تظن أنها انتهت، مؤكدة أن الهوية السورية المعاصرة قادرة على الوصول إلى المحافل الدولية دون التنازل عن عمقها المعنوي أو السقوط في نمطية التراث التقليدي.
حكاية وطن والعودة إلى الجذور
أكدت داليدا عطية لـ Syria One أن العبارة التعريفية للمشروع "Where it all begins" تشكل البوصلة التي توجّه كل تصميم، فهي ليست شعاراً تسويقياً بقدر ما هي اختصار لرحلة العودة إلى الذاكرة السورية والمكان والأشياء التي شكّلت علاقتها بالجمال، موضحة أن سوريا حاضرة في ذاكرتها البصرية بشكل عميق من خلال ملمس الحجر القديم، والألوان التي تغيّرت بفعل الزمن، والبيوت والزخارف، ومشددة على أنها لا تنقل هذا التراث بصورة حرفية أو تزيينية، بل تعيد تقديمه بلغة معاصرة تجعل الحدود بين الحرفة والديكور أقل وضوحاً، ليكون وراء جمال كل قطعة سبب وحكاية حقيقية.
ثقل الحجر وهشاشة الشمع
وفي حديثها عن لغة المواد المستخدمة في مجموعاتها الفنية (مثل حكاية وطن وOrchid)، كشفت عطية أنها لا تبدأ عملها من المادة بل من الفكرة والشعور، حيث تسأل نفسها أولاً عما تريد للقطعة أن تقوله، وبيّنت لـ Syria One أنها تعتمد على التناقض البصري والمفهومي بين المواد، فالحجر يحمل الثقل والثبات والذاكرة، بينما الشمع هشّ وقابل للتحول، والزهرة التي كانت حية تحتفظ بجمالها بعد أن يتغير شكل حياتها، ورأت أن هذه التناقضات تشبه الإنسان والذاكرة تماماً: أشياء تبقى، وأشياء تتغير، وأشياء نظن أنها انتهت لكنها تستمر بطريقة أخرى.
صمود الورشة وتحديات الإنتاج
وعن الواقع اللوجستي للعمل داخل سوريا، لم تخفِ داليدا عطية صعوبة الظروف المحيطة وتأثيرها المباشر على عملية الإنتاج، بدءاً من تأمين خامات ذات جودة ثابتة ومواد متخصصة، وصولاً إلى عقبات الشحن والتغليف، إلا أنها أكدت لـ Syria One أن هذه المِحن تحولت إلى مدرسة للتجريب والبحث عن حلول بديلة، بل إن محدودية الموارد قادت أحياناً إلى أفكار خلاقة لم تكن لتولَد في ظروف سهلة، وشددت على أن رهانها الأساسي يكمن في المحافظة على معايير القطعة الجمالية، بحيث يتسلمها العميل كعمل فني مكتمل دون أن يرى حجم الصعوبات التي سبقت إنجازه.
التوازن بين الفن والتسويق
وعن المعادلة الصعبة بين تقديم قطع ذات قيمة فنية وثقافية وبين المتطلبات التجارية المضمنة للاستدامة، أوضحت عطية لـ Syria One أن النجاح بالنسبة لها لا يقاس بالوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، بل بالوصول إلى الأشخاص الذين يتفاعلون وجدانياً مع القطعة ويرغبون في اقتنائها، وأشارت إلى أنها تفضل إنتاج عدد أقل من القطع التي تحمل شخصية مستقلة وهوية واضحة على أن تنجرف نحو الإنتاج الكمي التجاري الذي يفقد العمل روحه، مع العمل على إيجاد منطقة مشتركة تجعل القطعة الفنية قابلة للاستخدام والدخول إلى المنازل دون التخلي عن مضمونها.
الفن كفعل أمل وترميم نفسي
ورداً على سؤال حول الرسائل التفاؤلية التي تحملها بعض قطعها، مثل "A candle that speaks the language of hope" و"After every storm hope blooms"، قالت داليدا عطية إنها تؤمن بقوة الفن كأداة للتعبير واستعادة العلاقة بالحياة والجمال، دون تحميله ادعاءات أكبر من قدرته على إصلاح ما حدث، وأضافت أن فعل الخلق في سوريا اليوم - سواء بإشعال شمعة، أو نحت مجسم، أو زراعة زهرة- هو قرار واعٍ بالأمل وإعلان بأن الحياة مستمرة، متسائلة: "بعد كل ما ينكسر، ماذا سنصنع مما بقي؟"
شراكة وجدانية في التصاميم
وحول تعاملها مع الطلبيات المخصصة بينت عطية لـ Syria One أن العملية تبدأ بفهم العميل كإنسان ومعرفة الدوافع المعنوية والذكريات والمناسبات خلف القطعة، قبل التفكير في التفاصيل التقنية كالأبعاد والألوان، وأكدت أن الطلب المخصص يتحول إلى حوار متكافئ بين قصة العميل ولغتها الفنية الخاصة، مما ينتج قطعاً تشبه أصحابها وتلبي تطلعاتهم، وفي الوقت نفسه تحمل البصمة الواضحة والروح الاصيلة لمشروع Dal.
خارطة المستقبل
واختتمت داليدا عطية حديثها لـ Syria One بالكشف عن رؤيتها للخطوات القادمة، مشيرة إلى أن طموحها يتجاوز فكرة المتجر ليصل إلى بناء Art Studio حقيقي يشكل مساحة للتجريب والتعاون مع فنانين وحرفيين من مختلف المجالات، وأعلنت أن التوسع نحو المعارض والمشاركات خارج سوريا هو هدف مرحلي يسعى لتقديم القطعة السورية المعاصرة بأسلوب راقٍ بعيد عن النمطية، إلى جانب التخطيط لإطلاق ورشات عمل تدريبية تنقل الحرفة وتشجع المشاركين على ابتكار لغتهم الخاصة، مؤكدة التزامها الدائم بالعودة إلى السؤال الأساسي: "لماذا نصنع هذه القطعة؟ وماذا نريد أن تترك خلفها؟"








