اقتصاد

كيف نعيد بناء الاقتصاد السوري؟.. خبير لـ Syria One: الاستقرار أولوية.. وبداية الحل بناء القطاعات المولدة لفرص العمل

572
كيف نعيد بناء الاقتصاد السوري؟.. خبير لـ Syria One: الاستقرار أولوية.. وبداية الحل بناء القطاعات المولدة لفرص العمل

خاص – فراس القاضي:

من أين سنبدأ؟... سؤال يفرض نفسه على كل من يفكر بحال الاقتصاد السوري، فبعد حوالي عقد ونصف من الحرب، وشبه الانهيار الكلي لبنى الإنتاج، لم يعد السؤال كيف نرمم الاقتصاد، بل من أين نبدأ ببناء اقتصاد جديد.

ويختلف الكثيرون أيضاً حول مفهوم إعادة البناء بحد ذاته، فيبرز نقاش أساسي بين الاقتصاديين: ما هي الخطوة الأولى الحقيقية في طريق بناء الاقتصاد السوري الجديد؟ هل نبدأ بإصلاح المؤسسات المالية؟ أم بإطلاق مشاريع إنتاجية واسعة؟ أم بإعادة صياغة النموذج الاقتصادي للبلاد بالكامل؟ خاصة أن هذا الانهيار يمنحنا فرصة استثنائية لإعادة البناء على أسس جديدة.. أسس تعتمد معايير خالية – أولاً - من الوهم، ومن المبالغات ومن استيراد التجارب غير المناسبة، وآخذة بعين الاعتبار الإمكانيات الحقيقية لسوريا، من حيث ثرواتها، وحجمها، وموقعها.

الاستقرار الاقتصادي أولاً

الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور محمد صالح الفتيح، وفي حوار مع Syria One، يرى أن البلاد التي تخرج من حروب وأزمات طويلة، تعاني عادةً من مستويات بطالة عالية، بسبب توقف أو تقلص العديد من الأنشطة الاقتصادية، وتحتاج لتوفير فرص عمل جديدة للمتحاربين السابقين وللنازحين العائدين إلى ديارهم. كما أن تحقيق الاستقرار والأمن – بمعانيه المختلفة – يتطلب ضبطاً للتضخم المالي، والحفاظ على قيمة العملة. لهذا تكون الأولوية في عملية التعافي الاقتصادي للمسارات التي تعيد الاستقرار الاقتصادي بما في ذلك تحقيق استقرار العملة، وتحسين القدرة الشرائية للمستهلكين، وإصلاح القطاع الاقتصادي لتحقيق الأمن الغذائي، وصيانة البنى التحتية الحيوية وإعادتها إلى الخدمة (خصوصاً خطوط النقل الرئيسة).

وهذه المسارات تتقاطع بشكل واضح، وخصوصاً في حالة سوريا.

ففي سوريا تصل البطالة إلى أكثر من 60% - أي أكثر من نصف القوة العاملة – والقطاع العام يتقلص بشكل واضح ويرجح أن تتسارع وتيرة تقلصه مع بدء خصخصة مؤسسات القطاع العام. ويحصل هذا بالتزامن مع عودة التضخم المالي الذي نراه في أسعار البضائع بالرغم من التثبيت القسري لقيمة الليرة السورية أمام الدولار، وذلك عن طريق تقييد السحوبات من المصارف والتحكم بالكتلة النقدية المتداولة في الأسواق.

عودة التضخم المالي هذا، يعود لتراجع القدرة الشرائية لمجموع السوريين، وهذا ما يجبر أصحاب الفعاليات الاقتصادية المختلفة على رفع أسعارهم لتعويض نقص المبيعات الناجم عن النقص في الطلب، فتكون النتيجة المزيد من التراجع في الطلب، ودخول الاقتصاد في حلقة مفرغة من الكساد التضخمي (Stagflation).

الزراعة والبنى التحتية

ويوضح الفتيح أنه في حالة سوريا، لا يمكن تحسين القوة الشرائية لعموم السوريين عبر زيادة رواتب موظفي القطاع العام، فنسبة هؤلاء الموظفين لا تشكل سوى حوالي 10% من السوريين القادرين على العمل، وهذه النسبة مستمرة أساساً بالتقلص نتيجة تقليص القطاع العام. الحل الجذري يبدأ بالبحث عن الأنشطة التي تخلق فرص عمل لأكبر شرائح ممكنة من السوريين. وفي السياق السوري هذا يتحقق عبر العمل في القطاع الزراعي وفي مشاريع البنى التحتية – مثل إعادة شق وترميم الطرق والجسور وخطوط النقل بالمجمل. فهذه المشاريع شرهة للأيدي العاملة، كما أن تكلفة خلق فرصة العمل الواحدة فيها منخفضة بالمقارنة مع المشاريع الفارهة التي يتم الترويج لها في سوريا منذ سقوط النظام السابق.

فرص عمل ولّادة

ويؤكد الفتيح أن هذه الأنواع من فرص العمل، تتسم بخلق فرصة عمل إضافية في سلاسل التزويد والخدمات ذات الصلة. وبالمتوسط، فإن كل فرصة عمل جديدة، تخلق في مجال إنشاءات البنى التحتية ما بين 1 و1.5 فرصة عمل إضافية في قطاعات ذات صلة (مثل قطاع صناعة الإسمنت والمقالع والنقل وما شابه). وفي سوريا - باستثناء مشاريع الطاقة الكهربائية الحيوية للاستقرار الاقتصادي - فإن التركيز منصب على المشاريع البراقة ذات التكلفة العالية جداً والتي لا تتوفر أي معلومات حول عدد فرص العمل التي ستخلقها. وعند توزيع تكلفة هذه المشاريع على عدد الفرص المحتملة التي يمكن أن تخلقها، سنجد أن تكلفة خلق فرصة العمل الواحدة مرتفعة للغاية، وكان يمكن أن تخلق أضعاف ذلك العدد لو وجهت رؤوس الأموال هذه إلى القطاعات التقليدية، وإن كانت تلك القطاعات غير براقة وتبدو مثيرة للضجر.

أمثلة مهمة


ويلقي الخبير الفتيح نظرة على ما يحصل حتى في البلدان المتقدمة. فمثلاً، تضغط الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً الجمهورية منها، على شركائها التجاريين لشراء منتجاتها الزراعية، وذلك للحفاظ على استقرار فرص العمل في القطاع الزراعي.

وفي ألمانيا وضعت الحكومة الحالية تصورها لتحقيق التعافي الاقتصادي ومواجهة تقلص القطاع الصناعي وأزمة الطاقة والبطالة المتصاعدة عبر التوسع في مشاريع البنى التحتية التقليدية، بما في ذلك الجسور والطرق السريعة والسكك الحديدية، وذلك بالرغم من أن تلك البنى التحتية حتى في وضعها الحالي تعتبر متقدمة جداً بمعايير الشرق الأوسط. كذلك تحرك الرئيس الفرنسي في مطلع العام للضغط على الاتحاد الأوروبي لوقف توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل "ميركوسور" في أميركا اللاتينية، بهدف إنقاذ القطاع الزراعي الفرنسي الذي يخشى التعرض للإغراق بالمنتجات الزراعية الرخيصة القادمة من أميركا اللاتينية.

قطاعات تعكس المسار التضخمي

ويختم الفتيح بأن الانطلاق في قطاعات الزراعة وإنشاءات البنى التحتية سيخلق فرص عمل لا تحتاج بالضرورة إلى مؤهلات خاصة، وهذا ما سيقلص بشكل سريع من حجم البطالة وسيخلق مع الوقت طلباً على عمالة ذات مؤهلات أعلى، والتي ستطلب بدورها أجوراً أفضل. وبالمحصلة سينطلق الاقتصاد باتجاه النمو في عكس مسار الكساد التضخمي، وستكون لدينا حلقة جديدة فيها طلب على الأيد العاملة، وتحسن للأجور، وتحسن للقوة الشرائية، وهنا سيتنافس مقدمو الخدمات والبضائع على تلبية الطلب عبر تخفيض أسعارهم، فيتحقق استقرار العملة، ويبقى التضخم عند مستويات صحية تدعم النمو الاقتصادي.


هذا المسار يستغرق وقتاً غير قصير، ولكن لا يوجد صيغة بديلة، خصوصاً بالنسبة لبلد من بلدان العالم الثالث، لا يمتلك رؤوس أموال كبيرة، ولا ثروات طبيعية استثنائية.


مقالات ذات صلة

مبابي: العمل مع زيدان أشبه ​بمشهد من فيلم سينمائي

مبابي: العمل مع زيدان أشبه ​بمشهد من فيلم سينمائي

قال كيليان مبابي إن العمل تحت قيادة زين الدين زيدان في المنتخب الفرنسي لكرة القدم "أشبه ​بمشهد من فيلم سينمائي
18
مؤشر تاسي السعودي يتراجع 68 نقطة

مؤشر تاسي السعودي يتراجع 68 نقطة

أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيس ""، تعاملات اليوم الاثنين، على انخفاض قدره 68 نقطة، ليغلق عند مستوى 10682 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها
31
هل المازوت السوري مدعوم؟.. خبير لـ Syria One: علينا معرفة كلفة الإنتاج لنحدد قيمة الدعم

هل المازوت السوري مدعوم؟.. خبير لـ Syria One: علينا معرفة كلفة الإنتاج لنحدد قيمة الدعم

أعادت الحكومة السورية تسعير مادة المازوت وفق ثلاث شرائح تبدأ من 115 ليرة لليتر المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، مروراً بـ150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، وصولاً إلى 175 ليرة للمازوت بالمواصفات القياسية
55
ولي العهد السعودي يطلق سيارة "إكزوبوت".. أول سيارات شركة سير

ولي العهد السعودي يطلق سيارة "إكزوبوت".. أول سيارات شركة سير

أطلق ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، اليوم الاثنين، أول إصدارات شركة سير الوطنية للسيارات تحت مسمى "إكزوبوت"،
39
تحولات سوق السيارات في سوريا.. باحث لـ Syria One: الكهربائية أصبحت الأكثر طلباً وغياب البيانات يعوق دراسة السوق بشكل دقيق

تحولات سوق السيارات في سوريا.. باحث لـ Syria One: الكهربائية أصبحت الأكثر طلباً وغياب البيانات يعوق دراسة السوق بشكل دقيق

يعيش سوق السيارات في سوريا مرحلة من التحولات الهيكلية المتسارعة، فرضتها معادلات اقتصادية جديدة تتصدرها الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات، والتغير الملموس في السلوك الاستهلاكي للمواطنين. ومع دخول مئات الآلاف من السيارات الحديثة واكتفاء السوق تدريجياً، انتقلت المعركة من مجرد "المفاضلة في السعر" إلى البحث عن خيارات أكثر كفاءة واقتصاداً، فيما أتاحت للشركات الصينية
83
سيرياون إعلان 7