تظهر البيانات الرسمية المتاحة تحسنا في نشاط عدد من القطاعات الاقتصادية في سوريا، من إنتاج الطاقة وحركة المنافذ الحدودية والمطارات والموانئ، إلى تنامي الاتفاقات الاستثمارية وتحول بعضها إلى مشاريع وعقود.. ومع ذلك، تبقى هذه المؤشرات القطاعية غير كافية بمفردها لقياس التعافي الاقتصادي الشامل أو تحديد معدلات النمو.
فارتفاع الإنتاج أو الحركة التجارية والاستثمارية يكتسب دلالته الاقتصادية الفعلية عندما ينعكس على الإنتاج وفرص العمل والدخل والقدرة الشرائية، وعندما تصل عوائد النشاط الاقتصادي إلى شرائح أوسع من المجتمع.
في قراءة لهذا المسار، يلفت الأكاديمي والخبير الاقتصادي فادي عياش في تصريح لـ Syria One إلى أن مشهد الطاقة في سوريا اليوم يكشف بوضوح الفجوة بين تحسن مؤشرات الإنتاج وبين انعكاساتها المباشرة على المواطنين.
ويشير إلى أن إجمالي إنتاج النفط الخام قارب 14.8 مليون برميل خلال النصف الأول من العام الحالي، بمعدل تدفق يومي يتراوح بين 81 و83 ألف برميل، مقارنة بمتوسط لم يكن يتجاوز 34 ألف برميل في الأعوام السابقة. كما بلغ إنتاج الغاز الطبيعي نحو 1.43 مليار متر مكعب.
ويربط عياش هذا التحول باستعادة السيطرة الحكومية على مصادر وحقول الطاقة الحيوية في البادية ودير الزور والجزيرة، إلى جانب التفاهمات المبرمة لتأهيل الحقول بالتعاون مع شركات دولية وعربية، مشيراً إلى إعادة تشغيل 152 بئراً ودخول 10 آبار جديدة إلى الخدمة.
لكن ارتفاع الإنتاج، وفق تقديره، لم يتحول بعد إلى انعكاس مباشر بالقدر نفسه على الأسواق، إذ تحتاج سوريا إلى ما لا يقل عن 140 ألف برميل يومياً لتغطية استهلاكها المحلي، ما يعني أن الإنتاج الحالي يغطي نحو 55% من الحاجة.
أين يذهب أثر زيادة الطاقة؟
يشرح الدكتور عياش أن جزءاً مهماً من أثر التحسن يظهر بصورة غير مباشرة، ولا سيما في قطاع الكهرباء، إذ تذهب الحصة الكبرى من الغاز الطبيعي إلى تغذية محطات التوليد، ما انعكس إيجاباً على معدلات التقنين الكهربائي، إلى جانب تأثير ارتفاع فاتورة الاستهلاك الكهربائي المنزلي.
وفي المقابل، لا تزال الدولة، وفق هذه القراءة، مضطرة إلى استيراد العجز المتبقي بالعملة الصعبة، فيما يعاد توظيف العوائد المالية الحالية كرأس مال تشغيلي لإصلاح البنية التحتية المدمرة والمصافي المتهالكة، بدلاً من توجيهها بصورة مباشرة إلى رفع الأجور وتحسين مستوى المعيشة.
وبذلك، فإن زيادة الإنتاج لا تتحول فوراً إلى زيادة في دخول الأسر، بل تمر أولاً عبر احتياجات القطاع نفسه من التأهيل والتشغيل والاستثمار.
من توافر المحروقات إلى استقرار الأسعار
يقدّر عياش أن المنعكسات المباشرة لهذا التحسن ستظهر تدريجياً، بدءاً من الاستقرار الكمي في سوق المحروقات. فالوصول إلى إنتاج يقارب 100 ألف برميل يومياً في المدى القريب، وفق تقديره، يمكن أن يخفف أزمات المحروقات ويرفع مخصصات النقل العام والتدفئة المنزلية.
أما في المدى المتوسط، ولا سيما خلال 2027 و2028، فيربط عياش التحول الأكبر باقتراب الإنتاج من مستوى الاكتفاء الذاتي والتوقف عن الاستيراد. وعندها، يمكن أن ينتقل الأثر من تحسن التوافر إلى استقرار سعري واقتصادي.
أثر اقتصادي تدريجي قد يصل إلى عامين
يرى عياش أن الاقتراب من الاكتفاء الذاتي سيخفف الضغط على مصرف سوريا المركزي لتأمين القطع اللازم لشراء شحنات النفط الخارجية، بما يسهم في تثبيت سعر صرف الليرة السورية.
كما قد يتيح ذلك الانتقال من تسعير المحروقات على أساس تكلفة الاستيراد المرتفعة إلى تسعيرها وفق كلفة الإنتاج المحلي المنخفضة، الأمر الذي يتوقع أن ينعكس على تكاليف الشحن والزراعة والصناعة، ويسهم في كبح التضخم العام.
ويؤكد عياش أن هذه النتائج لا يفترض أن تظهر دفعة واحدة، وإنما ضمن مسار تدريجي؛ إذ يتوقع انفراجات نسبية في توفر المحروقات مع نهايات العام الحالي، بينما قد تبدأ ملامح التعافي المعيشي والاقتصادي الملموس للمواطن بالاستقرار الفعلي خلال العامين المقبلين، بالتوازي مع اكتمال تأهيل المنشآت ودخول الاستثمارات الأجنبية حيز التنفيذ الكامل.






