على أحد الأرصفة الواقعة في محيط "جسر الثورة"، وسط دمشق، يتخذ "أبو خالد" مكاناً لمبيته اليومي، ولا يعتبر الرجل الذي تجاوز الـ 65 من العمر أن النوم على الرصيف تشرداً، لأنه مجبور على المبيت في الشارع، لعدم قدرته على استئجار منزل، بعد أن طرده ولده الوحيد من المنزل الذي كانا يسكنان فيه في منطقة سبينة بالطرف الجنوبي من العاصمة، ويقول في حديثه لـ Syria One، إن الخلافات العائلية التي عاشها لفترة طويلة مع زوجة ابنه انتهت بطرده من المنزل، ليعيش في الشارع ويعمل في بيع المناديل الورقية صباحاً ليحصل على قوته اليومي، ولا يعتقد أن نومه وغيره من "المعترين"، على الأرصفة يزعج أحداً، فهم يأخذون أماكنهم للنوم في ساعة متأخرة من الليل، أي بعد أن تصبح حركة المشاة قليلة جداً، وفي الصباح يقومون بـ "ضبضبة أغراضهم"، ليبدأوا بالعمل.
قصص منسوخة
لا تختلف قصة "أبو أيهم"، كثيراً، فهو الآخر يروي في حديثه لـ Syria One، عن طرده من منزل ابنته التي تعيش في إحدى مناطق الغوطة الشرقية، ولأن عائلته من أخوة وأخوات تخلو عنه أيضاً، بات ينام في الشارع، ويقص الرجل الذي يقترب من العقد السابع حكايته بالقول: "كنت من أصحاب رؤوس المال، كان لدي ثلاث محال تجارية أحدها مخصص لبيع الأثاث، وكنت أملك منزلين لكن كل شيء ضاع بسبب الحرب وقصف قوات النظام، وبعد خروجي من الغوطة حاولت العمل في أي شيء لكن كبر سني لم يمكني من الحصول على فرصة عمل، فقررت العمل ببيع "السبح والقداحات"، وحين طردتني ابنتي من المنزل، لم أجد مكاناً أبيت فيه إلا أرصفة العاصمة، وهكذا أنام على بعض الصناديق الكرتونية بعد أن أفردها لتصبح فراشاً، وأتغطى بـ "بطانية" مستعملة.
قصة مشابهة ثالثة لـ أبو وليد الذي ينام في الحديقة المجاورة لـ "مجمع يلبغا"، ظروف عائلية دفعته للعمل في بيع المناديل الورقية والعلكة عند الإشارة فيما يسميه القانون بـ "التسول المقنع"، ويقول أبو الوليد لـ Syria One، النوم في الحديقة مريح صيفاً من ناحية الطقس وتقلباته، لكن وجود كميات ضخمة من الجرذان التي تعرف شعبياً باسم "الجردون"، وخروجها خلال ساعات الليل للبحث عن الطعام في الحديقة وحاويات القمامة المحيطة بها يجعل الأمر مزعجاً، إضافة إلى أن ليالي الشتاء تتطلب البحث عن مكان مستور من المطر والريح.
رفاهية حكومية
ويعتبر أبو كاسم الذي يتخذ من "تحت جسر الحرية"، مكاناً لنومه ليلا، أن أعمال الصيانة التي نفذتها المحافظة هي التي جذبته لنقل منامته من الحديقة المقابلة لفندق "الفور سينزن"، إلى تحت الجسر، لكن وجود عدد كبير من الحافلات في النهار يجعل من الجلوس في المنطقة مزعجاً جداً بالنسبة له بسبب الضجة، ما يدفعه لمغادرة المكان طيلة ساعات النهار للعمل في "سوق الزبلطاني"، على عربة نقل البضائع التي يستأجرها بشكل يومي، ويقول في حديثه لـ Syria One، "إذا زبطوا الزبلطاني وصار في مكان نومة منيح هنيك بصير نام هنيك أفضل لي".
يعترف جميع المشردين في العاصمة إن الجهات التابعة للحكومة السورية بما فيها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحاول مكافحة ظاهرة التشرد، لكن لا يوجد مكان لإيواء المشردين في العاصمة كما يحدث في الدول الأوروبية، ويقول أبو كاسم: "نسمع أن أوروبا تهتم بالمشردين وتمنحهم راتب ومكان للسكن بدلاً من نومهم في الشارع، هذا الأمر لا يحدث في سوريا، لذا كلما جاءت دورية من الشؤون نهرب أو نغادر الأماكن التي اعتادوا على مشاهدتنا فيها، لأن القانون يتعامل معنا على أننا متسولون، ويطبق علينا القوانين التي تطبق على التسول، رغم إن الكثير منا يعمل في مهن تناسب سنه وقدراته الجسدية، وفي آخر النهار ينام على رصيف أو في حديقة لأنه لا يملك القدرة المادية على استئجار ولو غرفة، أما المتسولون فهم شريحة أخرى، ويعملون في أماكن معروفة، وهم ليسوا مثلنا نحن الذين لا نملك منازل، ولو ملكناها بالتأكيد لن ننام في الشوارع".
جدير بالذكر أن موقع Syria One حاول التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لمعرفة الإجراءات والخطط التي تخص موضوع التشرد، لكننا لم نحصل على إجابة حتى لحظة كتابة هذه السطور.






