مع تفاقم الجدل حول سلامة حليب الأطفال الصناعي، تجد شركة "نستله" نفسها في قلب عاصفة اقتصادية وإعلامية غير مسبوقة، فالتقارير المتزايدة عن تلوث بعض المنتجات دفعت المستهلكين إلى فقدان الثقة، ما أدى إلى تراجع حاد في المبيعات وخسائر تُقدَّر بنحو مليار دولار.. أزمة لا تهدد سمعة الشركة فقط، بل تفتح أيضاً نقاشاً واسعاً حول معايير الرقابة وجودة الغذاء المخصص للأطفال.
قواعد أوروبية مرتقبة وتشديد فرنسي فوري
تتجه الأنظار إلى الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية التي تستعد لإصدارِ معايير جديدة تُحدد السقف المسموح به من مادة السيروليد في حليب الأطفال، وهي مادةٌ سُمّية تنتجها بكتيريا Bacillus cereus وتُسببُ الغثيان والقيء وآلام المعدة خلال فترةٍ قصيرة من الاستهلاك.
وفي خطوةٍ استباقية، أعلنت فرنسا خفض الحد التنظيمي لهذه المادة، مع بدء تنفيذِ حملاتِ تفتيشٍ واسعة في المتاجر والصيدليات لضمانِ الالتزام، ما يُنذرُ بموجةِ سحب جديدة لمنتجات لا تستوفي الشروط المحدّثة.
سحبٌ عالمي يمتد إلى الشرق الأوسط
بدأت عمليات السحب في كانون الأول / ديسمبر الماضي وشملت 16 دولة أوروبية إضافةً إلى أسواق خارج القارة، بعد اكتشاف آثار من السيروليد في منتجات لعدد من الشركات الكبرى، بينها نستله ودانون ولاكتاليس .
وتشير بياناتٌ صحية أوروبية إلى أن بعض الدُفعات الملوثة كانت مطروحة في الأسواق منذ أشهر قبل اكتشاف المشكلة، ما كشف ثغرات في منظومة الإنذار الغذائي داخل الاتحاد الأوروبي.
ضغوط على "نستله" بعد تأخر الإبلاغ
أقرت نستله بأنها انتظرت عدة أيام للحصول على تقييم صحي قبل إخطار الجهات الرقابية، رغم اكتشافِ مستوياتٍ منخفضة من السيروليد في مصنعها الهولندي أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2025، وهو ما أكدته لاحقاً نتائج فحوص إضافية في أوائل كانون الأول / ديسمبر ورغم تأكيد الشركة عدم وجود دليل يربط منتجاتها بحالات مرضية، فتحت السلطاتُ الفرنسية تحقيقاً في وفاة رضيعين يُشتبه في تناولهما حليباً ملوثاً دون إثبات علاقةٍ مباشرة حتى الآن.
خسائرٌ مالية ضخمة تهز قطاع الأغذية
تراجعت أسهمُ شركات الحليب الأوروبية، خصوصاً نستله ودانون، مع تقديراتٍ تشير إلى خسائرٍ قد تتجاوز مليار دولار للقطاع، ووفق تحليل لبنك باركليز، قد تكون خسائرُ نستله أكبر بعشر مرات من خسائر دانون، إذ قد تصل إلى مليار فرنك سويسري (نحو 1.3 مليار دولار)، مقابل نحو 100 مليون يورو لدانون في أسوأ السيناريوهات
أزمةٌ تكشف ثغرات رقابية وتدفعُ لإصلاحات
أظهرت الأزمةُ وجود فجوات في نظام تتبّع المنتجات داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما بقيت بعض الدفعات الملوّثة في الأسواق لأشهر قبل اكتشافها، ما دفع منظمات رقابية للمطالبة بتشديد آليات الفحص والإنذار المبكر
ومع اقتراب صدورِ القواعد الأوروبية الجديدة، يبدو أن قطاعَ حليب الأطفال مقبلٌ على تغييرات تنظيمية واسعة تهدفُ إلى حماية المستهلكين واستعادة الثقة في المنتجات الغذائية المخصصة للفئات الأكثر حساسية






