اقتصاد

من الترانزيت إلى التصنيع البحري.. خبير لـ Syria One: حوض سفن طرطوس يفتح آفاقاً استراتيجية وينافس أحواض تركيا واليونان

415
من الترانزيت إلى التصنيع البحري.. خبير لـ Syria One: حوض سفن طرطوس يفتح آفاقاً استراتيجية وينافس أحواض تركيا واليونانلميس حسين

يشهد القطاع البحري والاقتصادي تحولاً بارزاً يعيد تشكيل موقع الساحل السوري على خريطة الملاحة الإقليمية، عقب الإعلان عن الاتفاق السوري التركي الخاص بمرفأ وحوض طرطوس، وهو اتفاق استثماري ينص على تطوير وإنشاء حوض سفن متكامل يمتد لثلاثين عاماً بدلاً من عقود التأجير السيادية طويلة الأمد التي شهدتها ملفات سابقة. 


ويتضمن الاتفاق التزام الشركة الاستثمارية بضخ مئة وتسعين مليون دولار على الأقل خلال سنوات خمس لتجهيز الأرصفة والمعدات والمنشآت دون أية أعباء مالية على الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، إلى جانب تقديم خصم عشرين بالمئة على أعمال صيانة وبناء السفن الحكومية، وتوفير آلاف فرص العمل مع اشتراط نسبة خمسة وتسعين بالمئة من العمالة الوطنية والالتزام بنقل الخبرات الفنية. 


وفي هذا الصدد، يقدم مدير عام مجموعة الجودة للدراسات والباحث الاقتصادي م.ماجد شرف لـ Syria One قراءة تفصيلية تحليليّة لأبعاد الاتفاق، محددات الجدوى الاقتصادية، وتحديات الطاقة والتأهيل الفني.


التحول نحو التجمعات الصناعية البحرية ومضاعفة القيمة


أوضح شرف لـ Syria One أن هذا الاتفاق ينقل القطاع البحري السوري من منطق تقديم الخدمات العابرة أو الترانزيت التقليدي إلى منطق الصناعة البحرية والخدمات المساندة ذات الهامش الربحي الأعلى.


مؤكداً أن نجاح هذا التحول مشروط بتحقيق ثلاثة متطلبات رئيسية تتمثل في التشغيل الفعلي المرتفع، وبناء سلسلة توريد محلية متماسكة، وتحقيق ربط لوجستي فعال بين المرفأ والسوق الإقليمية، مما يجعل الحوض نواة لتجمع صناعي بحري يربط قطاعات المعادن والميكانيك والكهرباء والتأمين والنقل والتدريب، كما أشار إلى أن إدخال عمليات بناء وإصلاح وصيانة السفن لأول مرة يخلق قيمة مضافة داخلية ويخفض الحاجة لإرسال السفن الحكومية والخاصة إلى الخارج وما يرافقه من استنزاف للقطع الأجنبي.


مشدداً على أن توفير ألف وسبعمئة فرصة عمل مباشرة وثلاثة آلاف وخمسمئة فرصة غير مباشرة يعكس مشروعاً مولداً للنشاط الشامل وليس منشأة معزولة، حيث يكمن المعيار الحاسم في حجم الحركة الاقتصادية التي يولدها الحوض بعد التشغيل.


ميزان القطع الأجنبي والتأثير على الحساب الجاري


وأكد شرف عبر Syria One أن الأثر المالي المتوقع للاتفاقية على الميزان التجاري سيكون إيجابياً في حال تحققت الكفاءة التشغيلية، كونه يعمل في اتجاهين متوازيين هما تخفيض تسرب الدولار إلى الخارج عند صيانة السفن الوطنية محلياً، وتوليد إيرادات بالعملة الصعبة عن طريق جذب السفن الأجنبية لتقديم الخدمات لها داخل طرطوس، مبيناً أن تقليص فاتورة الخدمات المستوردة لا يقتصر على تكاليف الإصلاح المباشرة فحسب، بل يمتد لتوفير التكاليف غير المباشرة كأجور الإقامة والنقل وفترات الانتظار في الموانئ الخارجية، وأضاف شرف أن التنافسية المالية الحقيقية تقاس بالفرق الصافي بين القطع الأجنبي المكتسب والوفر المحقق مطروحاً منه تكاليف التشغيل المستوردة.


مشيراً إلى أنه إذا نجح الحوض في تحقيق تشغيل حقيقي وليس رمزياً فسوف يسهم في حماية الاحتياطي الأجنبي وتقليص الطلب على الدولار، بينما يظل الأثر محدوداً إذا بقيت الطاقة التشغيلية منخفضة أو ارتفع الاعتماد على المكونات المستوردة.


تحديات التأهيل الفني والشرط العمالي الصارم


وبين الباحث الاقتصادي أن شرط تحقيق نسبة خمسة وتسعين بالمئة من العمالة السورية يُعد ممكناً على المستوى الإداري والتشغيل العام، لكنه يواجه تحديات فنية دقيقة في الصناعات الثقيلة التي تتطلب تخصصات معقدة في الهندسة البحرية واللحام عالي الدقة والتحكم الآلي والجودة، لافتاً إلى أن البيئة المحلية تتضمن قاعدة بشرية وخبرات تراكمية في أعمال الورش البحرية التقليدية والأكاديميات المهنية المعترف بها دولياً، إلا أن الفجوة الرئيسية تتركز في الصفوف الفنية الوسطى والعليا والشهادات المعتمدة ذات الاعتمادية العالية. 


ولدفع هذا التحدي ومنع تحول النسبة إلى رقم نظري، اقترح شرف أربع خطوات عملية تشمل حصر الاحتياجات الوظيفية بدقة لكل قسم، وتصميم برامج تدريب مرحلية تبدأ قبل التشغيل وتستمر بالتوازي معه، وإشراك الخبراء الأجانب كمدربين لنقل المعرفة دون خلق حالة تبعية، فضلاً عن ربط التدريب بالشهادات والترقي الوظيفي والأجور لضمان استقرار الكوادر داخل القطاع.


المقومات التنافسية في مواجهة أحواض شرق المتوسط


وشدد م.شرف عبر Syria One على أن حوض طرطوس يستطيع منافسة الأحواض الراسخة في تركيا واليونان إذا اعتمد على معادلة عملية تتضمن كلفة أقل وزمن إنجاز أسرع وخدمة أقرب للأسطول الإقليمي بدلاً من الاتكاء على الموقع الجغرافي فحسب، مشيراً إلى أن قرب طرطوس من أسواق المشرق يقلل كلفة الإبحار وزمن الانتظار للزبائن الإقليميين، فضلاً عن الوفر المباشر الممنوح للسفن الحكومية بنسبة عشرين بالمئة.


وأكد أن بناء سلسلة توريد محلية تعتمد على الورش والمصانع المجاورة في مجالات المعادن والميكانيك سيؤدي إلى خفض تكلفة المدخلات تدريجياً، وهو العنصر الجوهري الذي يصنع فارق السعر الحقيقي ويمنح المرفأ قدرة على استقطاب المالكين الدوليين إذا ما ترافقت الخدمة مع الجودة والسرعة المطلوبتين.


الجدوى الاقتصادية ونسب الإشغال


هذا وأوضح الباحث لـ Syria One أن ضخ استثمارات بقيمة مئة وتسعين مليون دولار دون التزام مالي على الدولة يستدعي تقييم الجدوى الاقتصادية بعد انطلاق العمل الفعلي عبر مؤشرات تشغيلية ومالية صارمة. 


كما بين أن نسبة إشغال الحوض الجاف وأحواض الإصلاح والساحات تُعد المؤشر الأوضح على حيوية المشروع، حيث إن العمل دون معدلات إشغال مرتفعة وثابتة يبقي جزءاً كبيراً من رأس المال مجمداً دون إيراد، مشيراً إلى أهمية قياس متوسط حجم العقود وتوزعها بين أعمال الصيانة الكثيرة ذات التدفق المستمر والعقود الكبرى لإنشاء السفن، إلى جانب قياس الهامش التشغيلي، ومعدل العائد الداخلي، ونسبة استغلال الطاقة الإنتاجية المتاحة، لمعرفة ما إذا كان الحوض يعمل كنشاط اقتصادي مستدام أم كمشروع رمزي منخفض الاستخدام.


سلسلة التوريد الممتدة


وأكد شرف أن مشروع الحوض سيعود بالنفع على القطاعات الاقتصادية المجاورة، حيث سيرفع الطلب في الصناعات المعدنية على الفولاذ والطلاءات والهياكل الثقيلة، وفي قطاع الكهرباء على لوحات التحكم والكابلات والأتمتة، وفي قطاع الهندسة عبر تنشيط مكتب التصميم والمسح والسلامة، فضلاً عن إنعاش قطاع التأمين البحري وتأمين المخاطر الهندسية. 


وفيما يتعلق بالبنية التحتية، نبه شرف إلى أن أحواض السفن تحتاج قدرة كهربائية عالية ومستقرة جداً لتشغيل الرافعات وآلات القطع والضخ، مما يتطلب ضمان استقرار التغذية وعدم ترك الحوض كجزيرة معزولة، وأضاف أن التنسيق بين الطرق والتخفيض الجمركي وسرعة المناولة يمثل شرطاً تشغيلياً أساسياً، مشيراً إلى أن البنية الحالية قد تكفي لبداية المشروع لكنها تحتاج إلى استقرار تشريعي وتطوير ملموس في شبكات الطاقة واللوجستيات لضمان التوسع الصناعي المطلوب.


نظام الـ BOT وتوازن الحقوق السيادية والاستثمارية


اختتم الباحث الاقتصادي ماجد شرف حديثه لـ Syria One بتوضيح طبيعة عقود البناء والتشغيل وإعادة الملكية (BOT)، حيث تتكفل الشركة الخاصة بتمويل وتنفيذ وإدارة المشروع خلال فترة الامتياز ثم نقل ملكية أصوله إلى الدولة. 


ولضمان التوازن بين تحقيق عائد مجزٍ للمستثمر وحفظ الحقوق السيادية والاقتصادية للدولة على المدى الطويل، حدد شرف ست ضوابط جوهرية تتلخص في توزيع مخاطر البناء والتشغيل بوضوح دون تحميل الدولة أعباء غير مبررة، تحديد مدة امتياز منصفة تمنع الاحتكار، ضبط آليات التسعير والتعرفة لحماية المستهلك والاقتصاد، والنص الصريح على إعادة الأصول بحالة تشغيلية جيدة وخالية من النزاعات. 


كما شدد على ضرورة احتفاظ الدولة بحق الرقابة الفنية والمالية والبيئية، وإلزام المستثمر بنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة والتدريب للكوادر الوطنية لضمان إدارة المنشأة بكفاءة فور انتهاء فترة الامتياز.


مقالات ذات صلة

ارتفاع الإيرادات العامة لسلطنة عمان بفضل عوائد النفط

ارتفاع الإيرادات العامة لسلطنة عمان بفضل عوائد النفط

ذكرت وكالة الأنباء العمانية الرسمية، ​نقلا عن نشرة ‌الأداء المالي الصادرة عن وزارة المالية، أن الإيرادات العامة ​لسلطنة عُمان ارتفعت ​13 بالمئة على أساس ⁠سنوي في الربع الثاني
12
وزير النفط الإيراني: اكتشاف أكثر من 7.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز بإقليم فارس

وزير النفط الإيراني: اكتشاف أكثر من 7.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز بإقليم فارس

قال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، في تصريحات ​نقلتها وسائل الإعلام الرسمية اليوم الأحد، ‌إن بلاده اكتشفت أكثر من 7.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز في حقل بجنوب إقليم ​فارس
12
المعادن الحرجة تتحول إلى ورقة نفوذ.. أوروبا تحاول حجز مكان لها في السوق

المعادن الحرجة تتحول إلى ورقة نفوذ.. أوروبا تحاول حجز مكان لها في السوق

تحولت المعادن الحرجة إلى ورقة نفوذ في سباق اقتصادي واستراتيجي تقوده الصين والولايات المتحدة، فيما تحاول أوروبا حجز مكان لها في سوق باتت موارده ضرورية لصناعات الدفاع والتكنولوجيا الخضراء
17
الدين الأمريكي يتجاوز حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

الدين الأمريكي يتجاوز حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

تجاوز  الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، ما يشكل محطة لافتة في علاقة واشنطن بالاقتراض
18
القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

القمة السورية للأمن السيبراني تنطلق بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص

انطلقت اليوم الأحد أعمال القمة السورية للأمن السيبراني 2026 بمشاركة أكثر من 500 ‏خبير ومختص سوري وعربي وأجنبي، وذلك افتراضياً عبر منصة رقمية تفاعلية ‏مخصصة للمشاركين
52
سيرياون إعلان 7